المشاركات

قرن ونصف من اللوعة: الحب عند فلوبير وإرنو

صورة
ليس الحب شعورًا بسيطًا؛ فاختلاف تسمياته، وتباينُ تعريفاته، وخداعه المُهمَل، يجعل من الصعب حصره، ناهيك عن التحكم فيه. إن كل ميلٍ نحو الادعاء الشخصي بالانفلات من وطأته كاذب، مهما بلغت مناعة الإنسان الفكرية والنفسية من مرتبة. هذا ما جعلني أفكر فيه كتجربة أدبية، وقبلها شخصية، تستلزم بالغ الحرص في الكتابة عنها. إذْ أن كل كلمة تصدر مني -ككاتب وقارئ- قد تُظهر اختلاجاتي وهواجسي المتعففة من لوعته كعاطفة. يحتدم في القلب سيل من المشاعر التي يصعب تقبّلها في البداية، وحين نُحكِم قبضتنا عليها، نخلص إلى كوننا قد قيّدنا أنفسنا بعلاقة تحاكي الرغبة التي جُبِلنا عليها. وهنا، لا أذكر الفطرة، لأنني موقن أن الحب الذي سأتحدث عنه منافٍ لها. وضعت عنوانًا أوليًا لمقالي عن الحب كتجربة ولوعة، بعد قرن ونصف من نشر تحفة فلوبير، وبروز شغف إرنو البسيط. تحمّست لفكرة الربط بين قصة متخيلة وأخرى وليدة السرّة. وكوني قد قرأتهما تِباعًا، عثرت على اتصال غير غريب يتوارى بين الأسطر، ورغم تباعد الزمن، ظلّت اللغة عينها. يستغرق فلوبير في وصف طفولة إيما بوفاري بحبها لِ"الكنيسة لأزهارها، والموسيقى لكلماتها العامرة غزلًا، والأدب...

اللانداي: في فمي قصيدة ألم وحب.

صورة
 وأنا أقرأ مختارات الشعر الشعبي لنساء منطقة البشتون في أفغانستان، خطر ببالي أن أنقل ما تلذّذت به من أشعار تغنيها هذه النسوة. قد يكون من المجحف أن أصف شاعرية كلماتهم باللذيذة، فهي تعكس تأملاتهن ومأساتهن. يعشن في مجتمع ذكوري يعامل المرأة مثل إنسان درجة ثانية أو عبد وظيفته إرضاء الشهوات وقضاء الحوائج. فتعيش البشتونية مرارة حياةٍ لا رأي لها فيها، ويتم تزويجها بالإجبار من "دميم بشع" طفل، ويبلغ ليعضّ اليد التي ربّته حتى بلغ أشده. وحين تلد أطفالها، يعنفونها، ويجامل البشع صنيعهم إثباتًا لفحولة مصطنعة. وتفقد الأخيرة غريزة الأمومة عندها، لكثرة عدد الأولاد، ولكرهها لمن أنجبته معهم. وتبكي المسكينة حبًّا لم يُكتب له أن يلتئم، وتسأله أن يشاركها فراشها حين يغيب البشع. تتمنى أن يستشهد زوجها في الحرب لتحتفظ بحبيبها، لكنها ماكرة، ولا تريد حبيبًا جبانًا يرتعد بين ذراعيها، فكيف بميدان القتال؟ ليس غرض هذه الأشعار عرض وَلَهِ عاشقة بحبيب لن تصله يداها فحسب، بل لنبذ سجن المنفى، ورثاء مجاهدي المقاومة. هنا وضعت مختاراتي الشخصية، وتركت أشعار الرجال في النهاية، مع شكوكي بأن أحدها لا ينتمي لها. ومثل قراء...

ترنيمة مترهب: حين تقع الفاكهة في حضن الوجد.

صورة
أتفهم ايروتيكية الخوخ حين يستعملها الأشخاص كإيموجي لوصف شيء محدد، لكن اليوم كانت بيدي واحدة أحاول تقطيعها. بدأت بالقشرة الزلقة، والتي جَعلَتْها تسقط من يدي مرة بعد أن اختلط الجزء العاري بالمتخفي. التقطتها. كانت بيضاء مائلة لفرو جرو أبيض، تتوسطها بقعة حمراء من ناحية الرقبة. هممت بتقطيعها إلى أطراف صغيرة. لا أحب ثقل برودتها على فمي الدافئ، وبدأت جروحها تستكين في يدي. ظهرت بقعة حمراء كبيرة في اللّب، كادت تنفجر بين كفيّ. تراكم فتات أبيض على سائر يديّ، وتغلفت أصابعي بترنيمة من الأحمر القرمزي. وضعت الأشلاء في الصحن، وتأملتها. تذكرت ذلك الفيلم الذي لامسني، وتحسرت كيف فكر الكاتب في استغلال هذه الفاكهة التي تغوي النفس في غرض كالاستمناء أو الاستثارة. وفهمت كل ذلك على مضض، انغمست في لعاب الشهوة والنفور. تركت المياه تنساب مع ذراعيّ اللتان غاصتا عميقا في الخطيئة، تلفظت الأنفاس، لكن اشتهيت الخوخ. بحكم حبي لجدلية المثنى، أنسب دومًا إحساس اللذة بالألم. هناك متعة في هذا النوع من القسوة الروحية أيضًا. مثل نشوة القديسة تيريزا التي طعنها ملاك الساروف برمحه الذهبي حتى بلغ أحشاءها، فزاوجت بين كل ذلك وطغت مح...

فن التلصص أو Voyeurism : متى تتخطى الدهشة الخصوصية؟

صورة
قبل سنوات، شاهدت فيلم The Neighbors' Window، واستذكرت يومًا من مراهقتي مارست فيه نفس الفعل، وقد تلصصت على فتيات كنّ يبدلن ثيابهن، وقد ظهرت أثداؤهن من بعيد، فاختبأت. ليس الأمر كما لو أنهن قد كشفنني، بما أنه مجمع سكني، لكن هناك نوع من التعدّي الذي يطرح الخجل ما إن تظن أنه قد كُشف أمرك للعلن. ولهذا يُطرح السؤال "متى تتخطى الدهشة الخصوصية؟".هذا التلصص ينبع من سذاجة إنسانية تعكس فضولنا -اللامحدود- كبشر محبين للمعرفة، ولربما ستر عورة آدم وحواء يفسر الكثير. هنا، أردفت تجميعية كتابات عن غرباء عثرت عليهم، ومن المؤكد أن ما كتبته لا يعتبر Voyeurism، لكنه تلصص آخر، سذاجة كاتب، ودهشة مراهق مهتم بعناوين الكتب التي تُقرأ في المرافق العامة. Rare window... Edward Hopper’s Night Windows, 1928   29/11/2024 رأيتها صباح اليوم، كانت تتجول أسفل النافذة بينما كنت أعدّ فطوري، ولفت انتباهي شعرها، ولأن قصتها تشبه قصة الفتيان لكن بشعر أطول، ظننتها فتى. ولم أركز النظر بما يكفي لتتفحصها عيني، وبما أني كنت نعسًا، تجاهلت فضولي. في فترة الظهيرة ألفيتها، أسفل المنفذ مجددًا، وكنت وقتها أطبخ غدائي، وكان عند...

Portrait of a Lady on Fire (2019) : خيار العاشق أم الشاعر

صورة
 تقع أحداث الفيلم في جزيرة معزولة في بريطانيا، وهي وِجهة ماريان -الرسامة- التي تبحر على زورق، رفقة بحارة يجدفون. لا يعيرون أدنى اهتمامٍ لممتلكاتها وهي تغرق في عرض البحر، تاركين إياها تهمّ -لوحدها- لنجدتهم. تصَرُّفهم يعكس نظرة اجتماعية منحازة اتجاه الرجل، ولربما من هنا بدأ كل شيء، فقد اُعتُبِرَت الأنثى وسيلة لضمان الأمن المادي والكَنَسي. ثم تلبيةِ الحاجة الجنسية. اختيار سيلين -المخرجة- لفيلم لا تظهر فيه إلا النساء متعمدٌ لمخالفة هذا الاعتقاد، ويكاد الحضور الذكوري يكون منعدمًا، كأنها جزيرة للنساء. يحمل ربان الزورق حقائب الآنسة إلى الشاطئ، ويتركها لتوصلها حتى القصر المتواجد أعلى التل. هناك تتعرف على صوفيا -الخادمة- التي تدلّها على مكان مبيتها -ورشةٌ رسم - وتَدَعُها تجفف نفسها. تتعرى ماريان، وتتأكد من سلامة أدوات رسمها، ثم تدخن أمام المدخنة في مشهد جامد مليء بالشرود. في الغد، تلتقي والدة الفتاة المُراد رسمها، والتي لم تفوّت فرصة إظهار لوحتها الخاصة حين رُسمت قبل أن تتزوج. تعود ماريان إلى الورشة لتفحص لوحة الرسام الأسبق، وتجدها بلا وجه. توضح صوفيا أن الآنسة الشابة رفضت التموضع أمامه، فت...

Possession (1981) : ما بين انتشاء الخيال وإذعانه للحقيقة

صورة
بالنسبة لي، السينما الحقيقية لا تتمثل في كونها وسيلة لإمضاء الوقت، بل هي فن قائم بذاته ولغة للتعبير. الصور والكلمات أدوات استعملها الإنسان منذ أن غاب في كهفه ولازال، والمرجو منها أن تخلَّد وتحيا في الذهن المتشعب، رفقة بقية الأعمال الفنية. أن تختصر حياة أشخاص لامسوا الحقيقة وروحك أمر صعب، يختص به عباقرة المجال، وأندريه زولاوسكي منهم -حتمًا-. ولا أبالغ إن قلت أن فيلمه "Possession" ظلّ معي -في ذهني- مدة شهر كامل دون أنساه، وفضل ذلك يرجع إلى نيّتي في كتابة مراجعة عنه، والمقابلات المثرية عن المخرج والفيلم معًا. وكنظرة شاملة على Possession، فهو منقسم زمنيًا لجزأين: - الأول قبل مجيء الزوج. - الثاني ما حدث بعد مجيئه. 1. خيانة آنا مع هايرينك، حين التقط لها مقطعًا وهي تدرب فتيات صغيرات على رقص الباليه، وأنها "لم تجد شخص يحملها كما تحمل هؤلاء الفتيات". وفي مونولوغ آخر، تصفُ فتاتين تصورهما على أنهما الخير والش، أو الحظ والقدر، وكيف أن الأول يلعب بالأخير. وتصل لفكرة أخيرة "لم أكن أريده أن يأتي -زوجها- لأنه إذا جاء سيتحطم كل شيء" وكأنها تتنبأ بخرابها في عودته. 2. قدوم م...