ترنيمة مترهب: حين تقع الفاكهة في حضن الوجد.

أتفهم ايروتيكية الخوخ حين يستعملها الأشخاص كإيموجي لوصف شيء محدد، لكن اليوم كانت بيدي واحدة أحاول تقطيعها.
بدأت بالقشرة الزلقة، والتي جَعلَتْها تسقط من يدي مرة بعد أن اختلط الجزء العاري بالمتخفي.
التقطتها. كانت بيضاء مائلة لفرو جرو أبيض، تتوسطها بقعة حمراء من ناحية الرقبة.


هممت بتقطيعها إلى أطراف صغيرة. لا أحب ثقل برودتها على فمي الدافئ، وبدأت جروحها تستكين في يدي.
ظهرت بقعة حمراء كبيرة في اللّب، كادت تنفجر بين كفيّ. تراكم فتات أبيض على سائر يديّ، وتغلفت أصابعي بترنيمة من الأحمر القرمزي. وضعت الأشلاء في الصحن، وتأملتها.

تذكرت ذلك الفيلم الذي لامسني، وتحسرت كيف فكر الكاتب في استغلال هذه الفاكهة التي تغوي النفس في غرض كالاستمناء أو الاستثارة. وفهمت كل ذلك على مضض، انغمست في لعاب الشهوة والنفور.
تركت المياه تنساب مع ذراعيّ اللتان غاصتا عميقا في الخطيئة، تلفظت الأنفاس، لكن اشتهيت الخوخ.

بحكم حبي لجدلية المثنى، أنسب دومًا إحساس اللذة بالألم. هناك متعة في هذا النوع من القسوة الروحية أيضًا. مثل نشوة القديسة تيريزا التي طعنها ملاك الساروف برمحه الذهبي حتى بلغ أحشاءها، فزاوجت بين كل ذلك وطغت محبتها للرب.

هنا بالتحديد، تقهقرت الرغبة إلى حد الضياع، طرأت في بالي صورة ذلك المزارع. قام بتوليد عجل من بقرة متألمة، وحين انتهى، ظل يغسل ذراعيه مرارًا.
تجانس الخيال والواقع بطريقة أحسست فيها بالسوء، لتبذيري للنعمة.

تطايرت صورة كل امرأة قامت بإجهاض جنينها بعد تناول الحبوب، وتوتر ذكرى أخرى لامرأة شبقة، تناولت سلكًا حديديا أدخلته في كهفها، واستخرجت جثة من الندم والدموع.
تمثل لي ذلك الإلقاء - للأشلاء - في من أودع تلك الروح البريئة في رقعة المرحاض. كمَثل بالغ يكذب على طفله بعد أن ألقى بسمكة المهرج هناك، ويضيف بابتسامة عريضة: "عادت إلى البحر".
 



اشتقت لحمل كتاب غير مقرر المنهج بين أحضاني، حتى أعانقه حين تغالبني الوحدة، وحتى أقبّله حين يدنو مني، أو حين أدنو منه، فأشتم عطره الملآن بالسليلوز المخمر. واشتقت إلى كل جلسة مبتدعة أُقلِّب فيها وضعيتي باستمرار، فأتحاشى الكسل، وأقرأ بنهم. واشتقت لي، ولنفسي، ووهج عقلي، ولذة التذوق.

واشتقت لتمردي على الصفحات، وتقليبي المتعجل لها، وأحيانا ثورتي على نظامي، وجلبي لما يُؤكل. واشتقت لتلك القطرة من اللعاب التي تهرب من سجني المتحدث، وتنتحر فوق الصفحة. واشتقت لذكرى أنا متأكد أني لست بمرتكبٍ لها، وهي جلب التوأم الوحيد من الفاكهة، ثم وضعه على الورق، وانتظاري للظّل.

 أدري أن مني من يجاهد لحفظ اللقطة، لكن وعيي لا يريد أن يخلط الفعل باللعب، وفي نفسي رغبة نهشها، وتذوق سائلها، ولعق ثناياها وتقليص أي ذرة عفة تتبختر فيها على صفحتي. لكنني مسالم، ولا أقدر على الغدر. وأفهم أنني سأجوع وأنا أقرأ، وسألهث نحو لذة الإشباع، وفمي يريد أن تتخلله أنسجة الخوخ.
 

في لهجتي نوعان من التين. واحد حلال أملس وآخر حرام شائك، لكن الأملس ليس بريئا رغم تسميته. في شكله وهو ينضج، وكأنما يمثل عذرية شيء يتمثل لي في كل مرة أنزع قشرته عنه. لست من محبيه، أتناول
واحدة وأستشعر الإشباع.

لكن فكرة شبهه بذلك الشيء تظل رهينة عقلي زمنًا، وتوافره على قشرتين يطرب عقلي، واحتكاك الأخضر بتضاريس الأبيض المخطط وكأنه موسم تقليب التربة يعكس الغموض. الفجوة التي تتمظهر بعد غرس إصبعيك فيه، عصارة متخثرة تخرج على مهل.

تصبو إلى ما بعده، وأنت تمسك الطرفين حتى تفتح الزهرة. ببطء. تحاول استنشاق عبقها حتى تتخيل جودتها. حبيبات حمراء صغيرة مثل الشفرات. تفتحٌ في اللب يروي ظمأ شفتين. مرة ينكمش في تدلل، ومرة يتوسع في تبرج، في حركة لا إرادية منك ويدك.

تتساءل هل حان موعد تناوله، وهو على حاله الرخوة، تقارنه مع مثيلاته من الأخريات؛ منكمشة، طاهرة، ذليلة، منفتحة أكثر من اللازم، متورمة، متوحمة، سوداء، زرقاء، زهرية، قرمزية، شاحبة، ناضجة، خجولة، متكبرة، مليئة بالشَعر والشِعر..هل حان؟

ألم تداعبها بما يكفي؟ ألم تدفئ نفسك بمجرد التفكير؟ لا يمكن ان تقاوم، تريد أن تصور وتتصور، ولا تشعر ببراءة الفعل. لكن لايهم، واحدة تكفي، إذا لم تجد مثيلة لها، تكفي..
 

يؤرق فكري وصف إجاصتي درويش، وكيف أنه شبههما في قصيدته بذلك، وفي نيتي التظاهر بفهمي لمقصده، وكأنه يتحدث عن الذوق الفرنسي في الرقة. ولدي نفس التصور، وقد أثَّرَ عليّ، ولا يبدو أني أفضل فاكهة أخرى تُولِّدُ عمق المخيلة ذاته الذي تكوَّن عندي.

أفكر أن هناك أنواعًا من الثمار التي خرجت عن إطارها واستدارتها، وأنه من الصعب الجزم بتجاهلي لذلك. وفي نظري، يتضح أن هناك ما يفرّق بينها أيضًا، وهو المنبت التي تخرج منه، والذي يكون متصلا مع الرضيع الذي يمتص. وحين ينضج، تسقط الثمرة لتصير بذرة وتنبت.

ولكل واحدة مَنْبَت خاص؛ دقيق، رقيق، غليظ، متأرجح، معضوض، مترهل، منقوش، خضع لتجميل، منقح، معطر، أزرق، أو أبيض، أو أحمر، أو زهري، وجميع الألوان التي تهتز مع البلوغ. وهناك فكرة أن هذا التنوع من حيث الأصل، أمر مستحب، فأذواق البشر تختلف، ولا يمكن أن نلتزم بمذهب واحد.

ويبدو أن للمسطحة جمهورها، ولو لم يكن من قبيل المصادفة أن تسيطر المنتفخة بسبب جودة السماد والبذور. وقد كان يلهمني هذا النوع من الملاحظة، إلى أن حطم خيالي منظر واحدة أمامي، وقد برزت تحت ثوبها ثمرتان، ومنبتان. ليس لأنني ركزت النظر، بل لأنها ضيّقَت على نفسها حتى بدت مثارة، فانزعجت.

وأدركت أن المثل القائل بأنها قد أثبت "نقطتين للتو" بعيد عن الصحة، لأنه ثابت فقط عندما تشاهدهما خلف الشاشة. العين تدرك والعقل لا يدرك أين القالب أمامه، وتتخيل ما لا يمكن أن يكون، وكما ذكر أحد الحكماء: "لا شيء أكثر إثارة مما ليس مكشوفًا للعين"، أو لنقل "لا شيء أكثر إثارة من نهد متعفف تحت فستان".

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قرن ونصف من اللوعة: الحب عند فلوبير وإرنو

فن التلصص أو Voyeurism : متى تتخطى الدهشة الخصوصية؟