قرن ونصف من اللوعة: الحب عند فلوبير وإرنو
ليس الحب شعورًا بسيطًا؛ فاختلاف تسمياته، وتباينُ تعريفاته، وخداعه المُهمَل، يجعل من الصعب حصره، ناهيك عن التحكم فيه. إن كل ميلٍ نحو الادعاء الشخصي بالانفلات من وطأته كاذب، مهما بلغت مناعة الإنسان الفكرية والنفسية من مرتبة. هذا ما جعلني أفكر فيه كتجربة أدبية، وقبلها شخصية، تستلزم بالغ الحرص في الكتابة عنها. إذْ أن كل كلمة تصدر مني -ككاتب وقارئ- قد تُظهر اختلاجاتي وهواجسي المتعففة من لوعته كعاطفة.
يحتدم في القلب سيل من المشاعر التي يصعب تقبّلها في البداية، وحين نُحكِم قبضتنا عليها، نخلص إلى كوننا قد قيّدنا أنفسنا بعلاقة تحاكي الرغبة التي جُبِلنا عليها. وهنا، لا أذكر الفطرة، لأنني موقن أن الحب الذي سأتحدث عنه منافٍ لها. وضعت عنوانًا أوليًا لمقالي عن الحب كتجربة ولوعة، بعد قرن ونصف من نشر تحفة فلوبير، وبروز شغف إرنو البسيط. تحمّست لفكرة الربط بين قصة متخيلة وأخرى وليدة السرّة. وكوني قد قرأتهما تِباعًا، عثرت على اتصال غير غريب يتوارى بين الأسطر، ورغم تباعد الزمن، ظلّت اللغة عينها.
يستغرق فلوبير في وصف طفولة إيما بوفاري بحبها لِ"الكنيسة لأزهارها، والموسيقى لكلماتها العامرة غزلًا، والأدب لإثارته العاطفية. وتمردها على أسرار الإيمان، وهيجانها ضد الانضباط الذي اعتبرته جزءًا غير مستساغ من تكوينها". فيتضح تفردّها في ما يخص الإعجاب بالأشياء والمعالم، فالجزء -مقابل الكل- هو ما يجذبها، واحتكاكها بالجزء يولِّد لديها شعورًا خفيًّا وثابتًا بالهوس. تلك العاطفة الأولى، أو بداية الإزهار، ربيع العاطفة، والدهشة الأولى؛ كلها منافذ إلى روحها المُثقلَة بالحاجة والتوق إلى المزيد.
ألفت إثارتها العاطفية في الأدب في قراءاتها المتكررة لبلزاك وجورج صاند، محاولة إشباعها هواها بالخيال. وقبل أشهر من قراءتي لرواية مدام بوفاري، قرأت قصصًا قصيرة لأنوريه دي بلزاك، كلها تجتذب خيط الحب المحرم لدى نساء عذارى يحلمن بحب بعيد عن زواجهن الأول -القسري- الذي خضعن له إما لحاجة أو تدبير من عائلاتهن. ذلك التهييج اللغوي والقصصي لابد أن يخضع عقلًا أعذر كعقل إيما -والذي عارض قواعد الانضباط منذ التنشئة كما يفعل الحصان الذي يقابل سحب رباطه بالعض- للمساءلة. وفي الجزء الأخير من الرواية، تسأل إيما نفسها لماذا لم تقاوم مثل الممثلة في المسرحية؟ لماذا، لماذا لم تتوسل فلا تتزوج؟ بل على العكس، ابتهاجها -بزواجها- أغفلها سقوطها المحتم في الهاوية.
يسألها حبيبها الأول ليون -بعد زواجها من تشارلز- السؤال المحظور، ولا يمكن ان يكون الحب إلا لعبة أسئلة :
"هل سبق أن مررتِ بفكرة غامضة في كتاب قد عبرتك من قبل، بعض الصور الرمادية التي تبرز من بعيد، كالظهور الكامل لشعورنا الأكثر انفلاتًا".
طبعًا، ولِم لا؟ فهذا ما يعذِّب قلبها منذ البداية، ليصير عذابُها الأول رهافةَ حسها وعمقَ فِكرها، فهذا ما بحثت عنه بين كتبها وهو نفسه ما سيفتك بها. هذا الرجل -ليون- والذي غالبًا ما قد تجد أنثًى أرفعَ تفكيرًا تحلم به، تحبّه لعقله. كان موسيقيًا وقارئًا، يبادلها حب ما تهواه، وما لا يستطيع زوجها أن يبادلها إياه؛ تشارلز تعيس الحظ، لم يستطع شرح مفردة عن المساواة في أحد كتبها، والذي جيّش غضبها حين أفحمَهُ طبيب -حديث التخرج- في حالة مريض زاره. تشارلز السطحي مثل رصيف الطريق، المستعد دومًا إلى الاستماع لها، والذي يوافقها في كل الأمور على الدوام. إن شخصية زوجها نقيض كل ما تؤمن به إيما؛ فنفسها تصبو إلى المجد والثراء، والاختلاط بالطبقة المخملية، وتجنب الركون في أحد الضواحي. كما تهفو إلى الحفلات والتجمعات المترفة، لا إلى كونها زوجة لطبيب مغمور يكفيه أن ينجب وأن يحقق دخلًا بسيطًا حتى يسميَّ ذلك نجاحًا. لكن شعورها بالفضيلة حرمَها من حبها الأول، ذلك الشاب الذي حضر لتوديعها قبل رحيله إلى مدينة أخرى ليستكمل دراسته، وقد ندبت حالها التي لم تستطع توديعه بشكل لائق:
"أمست تلعن نفسها لأنها لم تحب ليون، كانت ظامئة إلى شفتيه، ودفعتها الرغبة الى الانضمام إليه، إلى الارتماء بين ذراعيه، إلى إخباره «هذا أنا، أنا أنتمي لك»".
ثِقل التوق، وطول استغراقها في ذكرياتها مع شخص راحل، أخمد شعلة الحب فيها؛ مختنقةً بندمٍ يُجاور حكمَ العادة. وتلاشى ذلك الوهج الأحمر الذي لوّن سماءها واستتر بالظلال. ظنّت أن كل نفورٍ وكرهٍ اتجاه زوجها ليس إلا انعكاسًا لشوقها لحبيبها. فاستحالت عاطفتها رمادًا، واجتاحها برد قارس تاهت في ظلمة لياليه الحالكة.
استغل حبيبها الثاني -رودولف- الحوارات الفكرية وخرجاتهما لوحدهما في الطبيعة حتى يختلي بها، ويحتفظ بها لنفسه. هذا الأخير أحبها لنزوة، لفكرة مغرية عبرته في جذبها لأحضانه، ولمعرفة مبلغِ تأثيره عليها، لكنه لم يفكر أبعد من ذلك.
اعترفَت له بحبها له، مخافةَ أن يهجرها مثل ليون الذي ألجمَها زواجها عن التدلل له. ثراء رودولف وعيشه الرغيد في قصره، ركوبها الخيل معه، تسللها الصباحي إلى فراشه متسخةً بالوحل، حينما تصير بجانبه وهو نائم، فتتأمله في صمت حتى لا توقظه، كل هذا جعلها تهيم به أكثر! لكن هذه الزيارات المتكررة ولّدت لديه شعورًا بالثقل، بعد إعجابه بها في البداية. أراد مساحة خاصة لنفسه، فقد أنهكه شعوره بكونه مراقبًا من طرفها. وفي حوار بينهما، أدهشني تفكير فلوبير، وليس هذا فقط ما حيّرني، بل كيف أن لغة الحب لا زالت كما هي، رغم تبدّل الزمان والمكان:
– هل تحبني؟
– نعم، أحبك!
– كثيراً؟
– بالتأكيد!
– لم تحب أي شخص آخر؟
ضحك وقال: "هل تعتقدين أنك عثرتِ عليّ وأنا أعذر؟"
بكت إيما، وحاول أن يواسيها، مزينًا اتهاماتها بالتورية.
آه! هذا لأني أحبك! تابعت قائلةً: أحبك لدرجة أنني لا أستطيع العيش بدونك، أتعلم ذلك؟ أحيانًا أتوق لرؤيتك مجددًا، وكل آلام الحب تمزقني. أتساءل: "أين هو؟ ربما يتحدث مع نساء أخريات؟ يبتسمن له، فيقترب..." آه! لا، أليس كذلك، لا تُعجبك أي منهن؟ هناك من هن أجمل منهن بكثير؛ لكنني أتقن فعل الحب! أنا خادمتك ومحظيتك! أنت مَلِكي، مثَلي الأعلى! أنت طيب! وسيم! ذكي! قوي!
لم تغير هذه الكلمات في نفس رودولف الشيء الكثير، ومع تكرارها صارت مبتذلة. أصبحت إيما مثل عشيقاته السابقات، وشيئًا فشيئًا تقادم حبُّه لها مثل ثوب، كاشفًا عن "الرتابة الأبدية للعاطفة التي تتخذ دائمًا نفس الأشكال واللغة". تحولت هذه الرتابة إلى ملل ولا مبالاة، ولم يعد يملك من الكلمات العذبة ما يبكيها أو من لمساته الحانية ما يثير جنونها. ورافضة تصديق ذلك، جعلت تتودد له أكثر، لكن نهر حبهما قد نضب، وبرز قاعه إثرَ جفاف حتمي للشغف. انبجس ندمها بفعل استسلامها له، تدللها الذي استحال تذللا، ثم رغبتها في الخضوع له أكثر. إغواء تام يصدر منها يجعله يتحكم بها، إذْ أمسك زمام أمرها تمامًا، فكادت تخشاه. استياء من طرفها يكاد ينمحي، حين تجد نفسها عارية أمامه - وقد نجح في تسيير الخيانة كما تخيل - مثل زوجين، يكفلان شعلة الحب في منزلهما دون إزعاج من أحد.
يلوذ رودولف بالفرار بعد تصاعد الأمور بينه وبينها، حين ألفى نفسه يخدم مصلحتها في الهرب معها وابنتها، وهو الذي بدأ هذه العلاقة لنزوة عابرة. خان ثقتها وغادر البلدة لوحده. أُغمي على إيما وهي تسمع صرير عجلات عربته، ولم تستيقظ إلا لتجد نفسها معرّضة للمحاسبة على ديون اقترفتها في غمرة حبها له، وتدَيُّن سابق افتقدته:
"لقد وجدت روحها، التي جُرِحَ كبرياؤها، أخيرًا راحةً في التبتل المسيحي..حبٌّ آخر فوق كل حب، بلا انقطاع أو نهاية، نامٍ إلى الأبد! لمحت وسط أوهام أملها، حالة من النقاء الطافي فوق الأرض، المختلط بالسماء، حيث تاقت أن تكون. أرادت أن تصبح قديسة".
تستهل آني إرنو شغفها البسيط باقتباس من رونالد بارث ، عن مجلة "نحن الاثنان" وكونها أكثر فحشًا من ساد. آني المتعمقة في الدراسات الأدبية، تعرف ما عناه بارث بالذات. والاقتباس مأخوذ من قسم بعنوان "فُحش الحب" في كتاب "خطاب عاشق". ويُطوّر بارث فكرتين رئيسيتين حول الفحش:
"أن الفحش هو تجاوز لما يُعتبر مقبولاً، وبالتالي فهو دائمًا مرتبط بسياقٍ ما كان ليوجد لولاه، وأن ما يُصنّف على أنه فاحش قد تغيّر جذريًا بين زمن ساد وزمننا."
يشير رونالد إلى هذا بكونه انقلابًا تاريخيًا لم يعد فيه الجنس هو الفاحش بل العاطفة التي تخضع للرقابة، والتي في جوهرها هي مجرد أخلاق أخرى.
يميز بارث بين فحش القرن الثامن عشر الذي يَقبل العاطفة ويرفض الجنسانية الصريحة، وفحش القرن العشرين الذي تنبأ به ساد:
"سيدرك الجميع أن X ... لديه مشاكل هائلة مع ميوله الجنسية؛ لكن لن يهتم أحد إلا بمشاكل Y... مع عاطفيته".
ويؤكد بارث اليوم أن إظهار المشاعر الرومانسية يزعج المجتمع أكثر بكثير من التصريح بالجنس، ف"الضريبة الأخلاقية التي يفرضها المجتمع على جميع التجاوزات أشد وطأة اليوم...".
تستهل إرنو كذلك قصتها بتجربتها الأولى مع الإباحية، تجربة تنتهك كل براءة تلازم الشخص أثناء تفكيره في ما قد لا يراه طيلة حياته. وكما تؤكد بنفسها، فقد مرت عصور وعصور قبل أن نستطيع مشاهدة عضوين ملتحمين، وفي غمرة اتحادهما نترقب القذف ونزول المني. مشهد حميمي فقد حميمته -وقدسيته- شيئًا فشيئًا لمّا سَهُل نقله من كل الزوايا. لم يعد الانتصاب ذا أهمية، ولا إظهار عريِّ الجسد للشخص المنشود حلمًا ليتحقق، وأصبح من اليسير التطاول على ما يؤسس لعلاقة متينة عبر رابط أكثر استدامة.
"بدا لي أن على الكتابة أن تَتَناولَ هذا الموضوع بالذات، هذا الانطباع الذي يولّده مشهد الفعل الجنسي، لِعنصُرَيْ القلق والدهشة، لتعليق الحكم الأخلاقي".
منذ خريف السنة الماضية، لم تكن تنتظر سوى اتصال رجل، وقدومه إلى بيتها. لم تقم بأي شيء آخر. لم تكن تعرف هوية من تتوقع مجيئه، وتشير له بِ"A"، الألف في اسمها نفسه، والأُلفة الكامنة خلفه. مسحوبة إلى ذلك التوقع الذي يزرع التخوف والرهبة في الآن نفسه، انتظرت توقف سيارته أمام منزله، وصوت خطاه على الرصيف. متيقنةً أن لاشيء آخر في حياتها أكثر أهمية من كونها على السرير نفسه في المساء معه.
تراءى لها بعد كل مضاجعة أن ثمة ما يَنقُص رغبتهما على حساب حسيّة الجسد، وأن هذا ما سيبعدهما عن بعضهما. وظلت تحتفظ بمنيِّه حتى الغد، بقصد إطالة ما بينهما؛ متأكدةً أنها مجرد زمن عابر بالنسبة له، ومع توالي الأيام، لزمتها فكرة هجرانه لها دومًا. أبعدَت عنه كل خاطرة ملل قد تغريه بتركها، وفجأة، بدا أن ظهورها أمامه بنفس الثياب سيفقده شغفَه فيها. دفعت عنها هذه الغلطة، ممتثلة لمثاليتها في علاقتها معه، وهذا الدرء هو نفسه ما أحدث فيها خيبة أمل مستقبلية: "لن يتمكن من رؤيتي وأنا ألبسه".
لم تكن تستمع للموسيقى الكلاسيكية كما جرت العادة، بل راقها الإنصات إلى الأغاني العاطفية التي لم تكن تعيرها اهتمامًا في البداية، وحرَّكت كلماتها مزاجها. كما ابتعدت عن كل نشاط أدبي أو خرجات مارستها سابقًا؛ فكل ما أبعدها عن هوسها به نأت بنفسها عنه، وأمست خاملة تمامًا كما أرادت لنفسها ان تكون. غير أنها تتساءل إذا ما كان يشاهد -في وقت مشاهدتها التلفاز- الحلقة أو الفيلم نفسه، خاصة إذا ما كان عن الحب أو الإيروتيكية، وإذا ما اتصل المشهد بحدثٍ بينهما. مستسلمة لمتعتها الجسدية؛ اصطفاف الصور والذكريات، جعلها ترتعش من اللذة، كأنما دماغها قد أصبح عضوًا جنسيًا مثل أي عضو آخر. ثم اتخذت قرارًا بالتوقف عن لقائه.
اكتشفت أن الرجل الذي تحبه غريب عنها، وأن اتصاله الذي طال انتظاره لم يغير شيئًا، فبقيت في حالة التوتر المؤلم والمقلق نفسها. صوته الذي كان يُسعدها صار محفزًا للرحيل، وأضحى كل شيء باستثناء لحظة ممارسة الحب شوقًا لا ينتهي. وحتى هذه اللحظة لم تجلب لها السكينة، إذْ طاردها شبح اللحظة التي ستليها بدونه. رحيله من جديد. أمست لذتها ألمًا مستقبليًا. رَفْضُها الانفصال عنه أضحى اعترافًا بشغفها نحوه أكثر من المرة التي اعترفت له بهيامها به.
وذات يوم، عندما كانت ضحية رغبتها في هجرانه، شدّت الرحال إلى إيطاليا. لم يفارقها تفكيرها فيه، ولم تتحدث إلى أي رجل قط سوى الندُل في المطعم إذا قاموا بخدمتها. واعتقدت أن سفرها خطوة أخرى لجعل حبها أكثر اكتمالًا. هوًى في حضرة الغياب.
وفي المتاحف، لم ترَ سوى تجسيدات للحب. منجذبةً إلى تماثيل الرجال، وعلى الخصوص تمثال ديفيد لمايكل أنجلو الذي لم تفارقه عيناها. كل كتف، وبطن، وعضو تناسلي، جعلها تستذكر أجزاءه وأطرافه هو، خاصة تلك الثنية التي تتبع المنحنى الداخلي للورك وصولاً إلى تجويف الفخذ. آه! كم هو مؤلم أن يكون من جَسَّدَ هذا الجمال الذكوري بهذا الإبداع السامي رجلًا وليس امرأة!
مرت ستة أشهر على رحيله، وتلاشت كل فرصة لملاقاته تقريبًا. أضناها السّهاد، وأرَقُها المتكرر، ولم تكن تبالي إذا ما ماتت أو عاشت. وبلغ منها الأذى أن تتمنى أن يقتحم لص غرفتها، فيقتلها. وفي نهارها، أشغلت نفسها قدر الإمكان خوفًا من فقدان شخصها في غياهب تفكيرها.
"لم أستطع مشاهدة التلفاز أو تصفح المجلات؛ فجميع إعلانات العطور أو أفران الميكروويف لم تُظهر سوى هذا: امرأة تنتظر رجلًا".
ظل اشتهاؤها له ذا وطأة حتى عند استمنائها وهي مستلقية على بطنها، وبدت لها ارتعاشتها مداعبة شخصية له. كما راودتها رغبة في إحدى الليالي لإجراء فحص فيروس نقص المناعة، على أمل أن يتركه فيها على الأقل. كانت أحلامها عنه في جوهرها توقًا إلى زمن يمكن استعادته، تَراه فيها مرة محاطًا بجمع من الناس لكنه لا ينظر إليها، ومرة جالسًا بجانبها في سيارة أجرة، تداعب عضوه، لكنه يلبث مرتخيًا. وفي حلم آخر، تلتقيه في مرحاض مقهى، فيختطفها دون أن ينبس ببنت شفة. لَكَم تمنت أن تتحول خيالاتها إلى واقع، لكن جمرة رغبتها منعتها من فتح الكتب التي قرأتها بشكل عابر برفقته؛ اعتقدت أن كل توق يخص ذلك الزمن محفوظ فيها، فردعتها الخرافة عن مطالعتها مجددًا.
"كما لو كانت رواية آنا كارنينا من تلك الأعمال الروحانية التي يُشترط فيها عدم قلب صفحة معينة تحت طائلة سوء الحظ".
حفزّ ألمها كل ألمٍ ماضٍ، وانتابتها رغبة جامحة في زيارة المكان الذي أجرت فيه عملية إجهاض قبل عشرين سنة. مضطرة أن تشهد الشارع مجددًا، والمبنى، وتصعدَ إلى الشقة التي حدث فيها ذلك.
"وكأنني كنت آمل بشكل غامض أن يُخفف ألمٌ قديم من ألمي الحالي".
تقدّم قصة زميل لها مع امرأة متزوجة بعض العزاء، حين يخبرها أنه يحسّ بالفحولة وهي تجري في عروقه بعد مغادرته منزلها. فتفكر أنها متذوقة لطعم إحساس من أحبّته، كما لو أن هنالك دومًا شيئًا خالدًا لا تستطيع أن تخبرها به الذكريات.
من الخطأ أن نسمي من يكتب عن حياته بالاستعراضي، فمسعاه أن يُظهر ذاته وأن يُرى في آن. براءة زائلة، وشغف باقٍ في كل وقت. والفرق؟ سيبقى للصفحات معنى خاص لكاتبها. توقفها عن الكتابة لم يمنع عنها غيابه، صوته الذي لم تعد تسمعه، وحياته التي يعيشها بعيدًا عن متناولها. والاستمرار في التدوين هو تأجيل لقلق مشاركة الأثر الضئيل لهذا الشغف مع آخرين. ناظرةً إلى ما كُتِب بدهشة وخجل، ومكترثةً لأول المرة بالأحكام والقيم المجتمعية. فهل هي سيرة ذاتية؟
عودته بعد عامين، كأنها لم تحدث قط. ذلك الرجل الذي حملته بداخلها سنة بطولها، ومن كانت تكتب عنه لاحقًا، لم يعد معها. وكونها لن ترى ذلك ذلك الرجل مجددًا، وكون هذا اللقاء مستحيلًا، هو ما يُضفي لشغفها به معنى خاصًا.
"بفضله، اقتربتُ من الحد الفاصل بيني وبين الآخر، لدرجة أنني أحيانًا أتخيل عبوره".
هو الرجل نفسه الذي طلبَ منها ألا تكتب كتابًا عنه، لكنها لم تكتب عنه، أو عنها هي. بل عبّرت عما منحها إيّاه وجوده بكلمات من الوارد ألا يقرأها هو. مثل تبرع مستعاد.
ترى ما الذي يضيفه الحب للمحب حتى يستمر في حبّه؟
أجد في وصف إيما بوفاري رهافة حس فلوبير في نقل كل صفات المحبّ التي تتبدى فيه، وكما أعترف دومًا لنفسي، فإن امرأة محبّة أبهى أنثى على الإطلاق.
"لم تكن مدام بوفاري يومًا أجمل مما كانت عليه في ذلك الوقت: فقد امتلكت ذلك الجمال الذي لا يوصف، والذي ينبع من الرغد والحماس والانتصار، وليس ذلك إلا بفعل انسجام المزاج مع الظروف. رغباتها وأحزانها وتجاربها مع اللذة وأوهامها الفتيّة تغذيها، كما يغذي السماد، والمطر، والريح، والشمس الزهور. نمَت على مهل، وأزهرت أيّما إزهار. بدت جفونها وكأنها منحوتة خصيصًا لنظراتها الطويلة العاشقة، فتشرد فيها حدقتاها، بينما يفرِّق نسيم قوي منخريها الضيقين ويرفع منحنى شفتيها الممتلئة، التي تظللها لمسة من الزغب الداكن. كما لو أن فنانًا ماهرًا في الفوضوية قد رتب خصلات شعرها المُلتفة على مؤخرة عنقها: فقد التفّت في كومة ثقيلة، بلا مبالاة، ووفقًا لتقلبات الخيانة، التي كانت تفككها يوميًا. أصبح صوتها الآن أكثر غنجًا، وكذلك هيئتها. شيءٌ خفيٌّ يخترق الناظر إليها، وينبعث من ثنيات فستانها وتقوس قدمها. وجَدَها تشارلز، كما الأيام الأولى من زواجه، جميلة وجذابة للغاية."
كما تختتم آني إرنو قصتها بتعريفها لشغفها:
"في طفولتي، كانت الرفاهية تعني لي معاطف الفرو، والفساتين الطويلة، والفيلات المطلة على البحر. بعدها، ظننتها تعني عيش حياة فكرية. أما الآن، فيبدو لي أنها أيضاً عيش شغف محموم لرجل أو امرأة".
والجدير بالذكر، أن اسم Emma يُنطق على نفس النحو في فعل aima الذي يعني "أحبّت"، وكأنما فلوبير يتهكم على هذا الحب ويقرنه بصفة الماضي في اسمها، لأنها إيمّا لم تحب حبًّا يزدهر بها في النهاية. وهذا مجرد تحليل حدسته في الصوتيات، وأجهل إذا ما كان عن قصد، لكن لاشيء يخفى على كاتب متمرس. كما راقني أن حرف الألف هو نفسه حرف اسم الرجل المجهول، وما يبدأ به اسم آني بالذات. والألف من الألفة، ثم من أحبّ، وآني وإيمّا.
بلغ الشغف بهاتين المرأتين أن تفرّا من كل ما يسحبهما إليه، ومن كل ما شكّلهما من قبل؛ الزوج، والأبناء، والعائلة ككل. ولم يعد من الممكن اعتياد ما سبق، إما لابتذاله، أو لأن الغوص في وحل الخطيئة يصعب الاغتسال منه. التجربة العاطفية جمرة تصهر الجسد ذاته، ولهذا هي رفاهية لا يبلغها الكل. كونها مخاطرة قد تنبئ بضياع كل ما ذَوَت السنوات من أجله، والمقصد لحظة ثمينة عابرة للمحب في حضن من يحب؛ رعشة انتشاء، وشعور بالأنوثة أو الفحولة، ثم تفحّم الهوى وبروده متلاشيًا في حضرة الغياب. لماذا كل هذا التوق إلى الحب؟ حب حقيقي نطمح فيه إلى أن نُرى على حقيقتنا الكاملة، بدون نقص أو تنقيص، ومن غير مغالاة في إظهار المشاعر والاهتمام. لا نطلب الشيء الكثير حتى نكون صادقين، ولربما مسار البحث عن توأم الروح ليس سهلًا إطلاقًا، ولهذا نترهب ما أن تضيع منا روح أخرى ظننّاها مُلكنا، والله يقول في كتابه المقدس: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا.
من المجحف أن نهبط على هذه الأرض وألا نجد من تهفو روحنا إليها، لكن الرحمة تجعلنا نستكين لأرواح وجدناها لا تصلح لنا أول الأمر، ثم أصلحت نفسها وهداها ربنا إلينا، فأنبتت بمعيّتنا بذورًا ستصلح لأرواح غيرنا. ليس الحب غاية حياتنا، وإذا غاب عنا مع من زوَّجنا نفسنا إياهم، فإن المودة والرحمة تكفيان. المهم أن تبلغ الرسالة قلب كل أحد منا. وقد لا نسأل الشيء الكثير إذا ما امتثلنا لفعل صغير في الحب كما تدعونا القولة: "حين نحب، نغمض أعيننا ونحن نقبّل بعضنا البعض". لذا فلنغمض أعيننا طالما قبّلنا عائلتنا، وأزواجنا، وأطفالنا، ولنجعلهم واعين بعربون محبتنا الخالصة لهم؛ فهو تأكيد للمودة كذلك، والأجر المستعاد فينا أيضًا.