قرن ونصف من اللوعة: الحب عند فلوبير وإرنو
ليس الحب شعورًا بسيطًا؛ فاختلاف تسمياته، وتباينُ تعريفاته، وخداعه المُهمَل، يجعل من الصعب حصره، ناهيك عن التحكم فيه. إن كل ميلٍ نحو الادعاء الشخصي بالانفلات من وطأته كاذب، مهما بلغت مناعة الإنسان الفكرية والنفسية من مرتبة. هذا ما جعلني أفكر فيه كتجربة أدبية، وقبلها شخصية، تستلزم بالغ الحرص في الكتابة عنها. إذْ أن كل كلمة تصدر مني -ككاتب وقارئ- قد تُظهر اختلاجاتي وهواجسي المتعففة من لوعته كعاطفة. يحتدم في القلب سيل من المشاعر التي يصعب تقبّلها في البداية، وحين نُحكِم قبضتنا عليها، نخلص إلى كوننا قد قيّدنا أنفسنا بعلاقة تحاكي الرغبة التي جُبِلنا عليها. وهنا، لا أذكر الفطرة، لأنني موقن أن الحب الذي سأتحدث عنه منافٍ لها. وضعت عنوانًا أوليًا لمقالي عن الحب كتجربة ولوعة، بعد قرن ونصف من نشر تحفة فلوبير، وبروز شغف إرنو البسيط. تحمّست لفكرة الربط بين قصة متخيلة وأخرى وليدة السرّة. وكوني قد قرأتهما تِباعًا، عثرت على اتصال غير غريب يتوارى بين الأسطر، ورغم تباعد الزمن، ظلّت اللغة عينها. يستغرق فلوبير في وصف طفولة إيما بوفاري بحبها لِ"الكنيسة لأزهارها، والموسيقى لكلماتها العامرة غزلًا، والأدب...