قبل سنوات، شاهدت فيلم The Neighbors' Window، واستذكرت يومًا من مراهقتي مارست فيه نفس الفعل، وقد تلصصت على فتيات كنّ يبدلن ثيابهن، وقد ظهرت أثداؤهن من بعيد، فاختبأت. ليس الأمر كما لو أنهن قد كشفنني، بما أنه مجمع سكني، لكن هناك نوع من التعدّي الذي يطرح الخجل ما إن تظن أنه قد كُشف أمرك للعلن. ولهذا يُطرح السؤال "متى تتخطى الدهشة الخصوصية؟".هذا التلصص ينبع من سذاجة إنسانية تعكس فضولنا -اللامحدود- كبشر محبين للمعرفة، ولربما ستر عورة آدم وحواء يفسر الكثير. هنا، أردفت تجميعية كتابات عن غرباء عثرت عليهم، ومن المؤكد أن ما كتبته لا يعتبر Voyeurism، لكنه تلصص آخر، سذاجة كاتب، ودهشة مراهق مهتم بعناوين الكتب التي تُقرأ في المرافق العامة.
Rare window... Edward Hopper’s Night Windows, 1928
29/11/2024
رأيتها صباح اليوم، كانت تتجول أسفل النافذة بينما كنت أعدّ فطوري، ولفت انتباهي شعرها، ولأن قصتها تشبه قصة الفتيان لكن بشعر أطول، ظننتها فتى. ولم أركز النظر بما يكفي لتتفحصها عيني، وبما أني كنت نعسًا، تجاهلت فضولي. في فترة الظهيرة ألفيتها، أسفل المنفذ مجددًا، وكنت وقتها أطبخ غدائي، وكان عندي ما يكفي من الوقت لأتطفل. هذه المرة لم تكن مشابهة لذلك الغريب الذي شغل بالي ثوانٍ في الصباح، بل كانت غادة مشرقة تحت أنوار منتصف النهار، وضيق الجو الذي اشتد اليوم بالذات. كانت قد أسقطت معطفها على حافة الجدار، والذي أمالت ظهرها عليه، وفي جلسة عارضة من مجلة، لبثت أتأملها. كانت ترتدي قميصًا أحمر وحيدًا بدون الكمّين، وسروالا أزرق داكنًا، وهكذا كان لون المعطف، وكذا أحذيتها برباطها الأبيض. كانت وضعية جلوسها فنية، بحيث استلقت على الأرضية كمثلث قائم، وتركت قدمها اليسرى تصعد فوق اليمنى، ولم تتحرك قط. كانت عينها تتفحص صفحات دروس تحاول هضمها، ويبدو أنها كانت تفعل ذلك منذ أول اليوم، وقد أحرق بعض المراحل لأذكر أن ساعة قد مرت بعدها، وقد تركتها على نفس الحال. وقتها كنت أداعب قشرة برتقالة في يدي، وأتذوق أردافًا حلوة، بينما أستمع لجاز يسلب الهوى. وفجأة، قامت من مجلسها لتمارس التفافة سريعة حول المكان. وفي دائرة قطرها عشر أمتار، كانت تتجول، حاملة دفترها. وقتها انجذبتُ لها، لأنني-أنا الآخر-أمارس نفس الطقوس أثناء حفظي. كانت تتلو على نفسها كلمات من مصطلحات بدت لي تحت بقع من تلوينات أقلام مختلفة، قتُقلب الورقة ثم تعيد. وكانت تحمل عنقها على سيل النسيم المتأرجح، تهز يدها برفق لمداعبة خصلات شعرها البني، وتمكث كذلك طويلا، ثم تنفض عنها فروتها، وقد كررت فعلها في كل مرة كانت تصل فيها مسألة تستعصي عليها. كانت هناك إشراقة نور تنعكس على جلدها ولحمها، وكأنها مرآة، تستبد ببشرتها الشاحبة، والتي تماهت مع حمرة القميص؛ هذا الذي كان يكفل صدرها النحيل في تمايلها في قطر الدائرة، وبالرغم من كونه ليس المقاس المفضل لدى كثيرين، فإنه يتلألأ في وضعية متثاقلة تذهب وتعود، وفي رخاوة إجاصتين يترافعان على سطح قارب يجدف لوحده في عمق النيل. ونحافة خصرها اللطيف، الذي يكسو ثوبها، أم أن الأخير الذي يملؤه؛ ينزل برفق ليتواضع أمام منحى هلالين مكتنزين بقليل من الدهن، ويتراقصان في ذلك الثوب الذي يرسم خطوط طول وعرض منسكبة على ملمس أنيق لمن وضعتهما للتو على أرض مبلولة بقطرات مطر لسماء لم تمطر منذ دهر. وقد أَنسب سر افتتاني بها لحبي لنفسي، ولكوني أَرسمُني على وضعها، ولم أفكر كثيرا في استئصال أسبابي. أم أنها النظارات التي تضعها وتلمُّ وجنتيها، فتسبح في بحر شفتين تمسيان على قرمزي مُعتق. أم أنني ذلك الغريب، الذي تفضلَ فضوله لجذبه نحو فتاة لا تعلم بوجوده، ولم يكد يسمع صوتها وهي تستظهر، بالرغم من إيقافه لموسيقاه الشيّقة، أم أنها حرارة شمس صعدت العنان بعد أن أَترفتني بمعين بردٍ دافئ هذه الأيام. وعلى كل، هي لا تعرفني كما قد عرفتها، ولا تدركني كما قد أدركها، وقد لا أنسَ ما كتبت لأني لم أرَها تحدق لتدعو السماء أن تحفظ، فتراني، وهكذا لم تلتقِ أعيننا، ولا أحد يعرف منا الآخر سواي، ومن كتابتي، ومن تخيل قارئ يريد صورتها.
05/06/2025
التقيت اليوم بسائحين صينيين على متن أحد المواصلات، كنت جالسًا قبالة المدخل، فلمحت الزوج بنظارته الشمسية السوداء والعريضة التي تحجب مقلتي عينيه وحاجبيه، ولما صار جانبُه على امتداد بصري، تأملت أقراطًا ثلاثة كان يضعها على أذنيه -تركتني مبتسمًا- ومعه زوجته التي تطوله بقليل، وفي في ضِعف بنيته تقريبًا، تحمل حقيبة صغيرة تتشبث بها دمية رسوم متحركة، وتضع قبعة شمسية بها فجوة من الأعلى، ومنها تبرز قصَّة شعر شبيهة بتلك المعروفة لدى الغيشا اليابانية. لم يجدا مقاعد متاحة، فظلّا واقفين وظهرهما على الجدار في مكان مخصص لعربات الأطفال. لم يتحدثا إلا بعد دقائق، فحينما يكون أحدهما مستغرقًا النظر في هاتفه يظل الآخر شاردًا في الزجاج المطلّ على الطريق والبنايات. وحين انتهاء هذا النمط، بدا أن موضوع الحديث يتعلق بالموقع الذي يريدان زيارته في المحطة التالية، وفي لحظة ما صار الزوج يساعدها في العثور على شيء ما بهاتفها، وانتظرته في لهفة. كانت أعمارهما متراوحة بين أواخر العشرين والثلاثين، وبما أنني لا أتمتع بفراسة الأجداد ناهيك في ما يخص الجينات الآسيوية، لا مناص من خيبة الظن. وأفترض ذلك لأنني أطلتُ النظر في حافظات الهاتف؛ الأولى كانت لرسوم أطفال مشهورة، والثانية كانت لخربشات ألوان دائرية ما بين الأصفر والأسود وكأنها لنحلة. أي واحدة لمن؟ هذا مصير الخيال.

19/06/2025
التقيت اليوم فتاة غوثيك، وأريد أن أضيف "نوعًا ما". لأنها لا ترتدي مثيلًا لما يُعبِّئ به أنفسَهم أصحاب هذا التيار، لكن لنقل أنه ميول خفيف جذبتني فيه ملامحها. كنت أنتظر القطار، وكانت على الجانب المحادي للسكة. تتمشى على مهل تحت شعاع الشمس الحارق، والذي مكّنني من رؤية الهالة المحيطة بها، كما جنبتني سوداويتها كشخص. كان لباسها أسود بالكامل، والمميز فيه ربطة تلتف حول عنقها بالكامل، لم أميز زخرفتها لِبُعدي عنها، لكن بدا وكأنما توجد وردة في الوسط، شبيهة بورود البساتين السوداء في أفلام مصاصي الدماء. شعرها فاحم السواد، ومنسدل -في طاعة- حتى تجاوز كتفيها، ولم يتمايل مع مشيتها، وكأنه منوَّم. وجهها شاحب بتعابير باردة، حتى كدتُ أجزم أنها تستعيره من دمية ما، وأحمر شفاه خفيف يزيد من أنثوية صفحتها. أطلتُ النظر فيها ونظرت إلي، وامتد بيننا تواصل لثوان معدودة، ولم يختلف تعبيرها عمّا سبق، كما لم أمنحها أي ردة فعل. التفتت وأكملت مسيرها إلى الأمام على طول الرصيف مجددًا.
26/06/2025
التقيت اليوم بأب وابنه ينتقلان من موضوع لآخر، وفجأة خَفُض الحوار كما لو وصل نقطة لا اتفاق. نظر إليّ الأب -بحكم أني كنت قبالته- وابتسم قائلا:"دعوت الله أن يجلب الرزق له وأخبرني ألا أدعو له." فكر الرجل لحظات، وأضاف أنه لربما على حق، فتلك علاقته بربه، ومن الممكن أن يدعوه بنفسه ولا يجوز أن أكون وسيطًا. ضحكت، وأوضحت له أنه إذا دعيت له بالخير فلا ضرر من ذلك. فسألني الأب:"في نظرك ما الدعاء الأخْيَر بين أن تدعو الله أن يجلب لك الخير، وأن أن تدعو أن يجلب لك ما فيه خير؟"
أجبت أن كليهما مناسبان طالما أن الخير هو المقصد، فضحك وروى لي قصة صديقين -كل منهما دعا دعاءً من السؤال السابق- كانا يتجولان وعثرا على حقيبة مال، فأخذ الأول الذي دعا أن يجلب الله الخير المال، ومنح الآخر الحقيبة، وأوضح له أن هذا دعاؤه.
04/07/2025
اليوم رأيت شابة تبكي ومعها شاب يحاول مواساتها. احمرار أنف وشفتي الأخيرة يوحي أنها تحاول جاهدة كتم بكائها وتركه لنفسها، ولم تستوعب بعد أنها توشك على الانهيار. يحادثها الشاب بكلمات قليلة ومتفرقة، وتهز رأسها موافقة، وفكرتُ كم أنه يعني لها، بما أنها انكسرت أمامه، لكن جمعت شتاتها كذلك.
06/07/2025
مشهد اليوم كان بين أب وابنته الصغيرة. الطفلة تريد جذب زهرة إليها فأمسكتها بقوة معهودة عند من يُماثلها سنًا، طريقة شدّها على ساقها ذكرتني بأخي في رضاعته حين لم يكن يفلت إصبعي. انحنى الأب ليوثق اللحظة بهاتفه، وابتسم لطفلته وهو يطلب منها أن تفلت النبتة. تخيلتني مع ابنتي المستقبلية..
أم مع ابنها تنظر له في حنان متأجج. تحدثَّت معه في لطف واهتمام بالغ بكل كلمة عفوية قد يقولها، والطريف أن كليهما كانا يضعان يديهما على فمهما أثناء كلامهما. سألت الأم طفلها عن أفعال مشاغبة يقوم بها وتتلقى بخصوصها شكايات، وابتسم الطفل وأطلق ضحكة مكتومة لطيفة. ساد الصمت بينهما، لكن التواصل الجسدي لم يسكن، وعانقته أمّه واحتوت رأسه في صدرها، داعبت شعره بينما استقر في حضنها وهو يطيل النظر في مشهد ما، ثم قبّلته بعمق.
08/07/2025
بالأمس، عرّيت شخص بنظراتي، ليس كفعل تخيله بدون ملابس لأن هذا أبسط من أن أفعله، لكن تخيلته في كل مكان تقريبًا؛ في العمل أو غرفة النوم، أو كيف سيكون صوته، أو ذوقه الموسيقي. كيف ستبدو عيناه بعد خلع نظارته الشمسية، أو متى ستنقبض شفاهه. خمنت طوله وافترضت اكتمال نموّه، وحدست بلوغه...
10/07/2025
بالأمس كنت أستمع لأغنية وأنا عائد إلى البيت، ولم يكن يصلني ضجيج الخارج. وصلت مقطعًا بالأغنية تضحك فيه المغنية، وفي نفس الوقت أجد قبالتي فتاة تضحك بين فتيات، وحسبت ضحكتها تسللت إليّ، لكن اتضح العكس، وحين توقف الضحك، صرت أضحك، لكن أنا المجنون الذي يضحك لوحده لأن لا أحد يستمع مثلي..
22/07/2025
التقيت بأنثى بقصة شعر ذكورية، بملامح ألمانية. لديها أوشام على طول ذراعيها، وتفاجأت حين تعرفت على أحدها، ثم اتضح أنها جميعًا شخصيات من أفلام استوديو غيبلي، وأكثرها وضوحًا كان لشخصية "توتورو" الأيقونية. وحين غادرت، رأيت شخصية النار من فيلم "قلعة هاول المتحركة"، على عضلة ذراعها الخلفية، وبجانب إبطها، فبدا منكمشًا ومبتسمًا في آن. فكرت أن هنالك من يجد عزاءه في ما يحب، وتجسيد محبته يتجلّى في نحته على جلده بحيث يتذكره على الدوام. لربما الوشم يكتسي شاعريته في تلك الكلمات التي يتم تدوينها على الجسد والتي لا يفهمها أحد غيرنا، أما إذا كانت متعلقة بشخص آخر، فنحن نتشارك المعنى معه، خاصة إذا كانت تتمة الوشم عنده.