تقع أحداث الفيلم في جزيرة معزولة في بريطانيا، وهي وِجهة ماريان -الرسامة- التي تبحر على زورق، رفقة بحارة يجدفون. لا يعيرون أدنى اهتمامٍ لممتلكاتها وهي تغرق في عرض البحر، تاركين إياها تهمّ -لوحدها- لنجدتهم. تصَرُّفهم يعكس نظرة اجتماعية منحازة اتجاه الرجل، ولربما من هنا بدأ كل شيء، فقد اُعتُبِرَت الأنثى وسيلة لضمان الأمن المادي والكَنَسي. ثم تلبيةِ الحاجة الجنسية. اختيار سيلين -المخرجة- لفيلم لا تظهر فيه إلا النساء متعمدٌ لمخالفة هذا الاعتقاد، ويكاد الحضور الذكوري يكون منعدمًا، كأنها جزيرة للنساء.

يحمل ربان الزورق حقائب الآنسة إلى الشاطئ، ويتركها لتوصلها حتى القصر المتواجد أعلى التل. هناك تتعرف على صوفيا -الخادمة- التي تدلّها على مكان مبيتها -ورشةٌ رسم - وتَدَعُها تجفف نفسها. تتعرى ماريان، وتتأكد من سلامة أدوات رسمها، ثم تدخن أمام المدخنة في مشهد جامد مليء بالشرود. في الغد، تلتقي والدة الفتاة المُراد رسمها، والتي لم تفوّت فرصة إظهار لوحتها الخاصة حين رُسمت قبل أن تتزوج. تعود ماريان إلى الورشة لتفحص لوحة الرسام الأسبق، وتجدها بلا وجه. توضح صوفيا أن الآنسة الشابة رفضت التموضع أمامه، فتستوعب أن مهمتها لن تكون باليسيرة، ولهذا تحيك الأم حيلة تقديمها كمرافقة لابنتها في الجزيرة.
تنزل ماريان الدرجات على مهل، وقبالتها تقف هيلويز مُدثّرة نفسها بلباس الدّير، ساكنةً، ثم تخرج. تنطلق مهرولة صوب البحر، تتبعها هي. تركض، فتلاحقها. تظنها قافزة لا محالة من الحافة، لكنها تتوقف. تلتفت الآنسة الشابة إليها وهي تلهث:"أحلم بالقيام بهذا منذ سنوات". تردّ ماريان بنبرة متسائلة:"mourir–بمعنى الموت". فتجيبها :"courir–بمعنى الركض."
تفشل الترجمة في نقل لعبة الكلمات، فالكلمتان تختلفان في الحرف الأول فحسب، لكن يتغير المعنى. تضفي تهكمًا يقارب الكوميديا السوداء، مقارنة بأختها التي تاهت عن صوفيا وقفزت، تاركةً مصيرها بين يدي هيلويز بعد رسالة اعتذار.
تتجول الفتاتان عبر الأمكنة نفسها، وتحاول الرسامة حفظ تفاصيل وجه عارضتها، غير أنها لم تكن تبتسم، وهذا ما شكل صعوبة جمّة بالنسبة للوحتها. الأخيرة عابسة دومًا، وهي نفسها مدركةٌ لغضبها لأنه شعورها الوحيد. يروق لها أن تكتشف العالم في الخارج، فتسأل عن الكتاب الذي أحضرته من هناك—قصائد المنفى لأوفيد.
تتمكن ماريان من إتمام لوحتها، وبعد اعتراف يملؤه شعورٌ بالذنب، تستدعي هيلويز لتراها أولًا. تنتقدُ رسمتها وتبدي امتعاضها، فق اعتبرتها فارغة ولا تمثلها بأي شكل. يتحول النقد إلى خصام، ردًّا على صنوف الحِيَل التي استغلت سذاجتها، ثم ينتهي جدالهما بجهل كل منهما لحقيقة الآخر "الناقدة / الرسامة".
تغضب الأم حين تُخَرّب اللوحة، وفي المقابل ترضى ابنتها أخيرًا أن تعرضَ نفسها. وقت حميمي -بين الفتاتين- أوحى لهما بالرغبة، ثم الاعتراف. تتبادلان النظرات المستكشفة، والمصارحة بالدواخل تصير أيسر. مثل فكرة نيتشه عن الهاوية، تثير هيلويز نفس التساؤل. تجعل ماريان تقف قربها، تنظر إلى اللوحة، وتُظهر لها إلى أي حد يتضح العُريّ بينهما.
حين تنعزل ماريان، تجد طيف هيلويز يتبعها أينما حلّت، تلتفت وتراقبه، ثم يختفي. كأنه نابعٌ من تأثير الشعلة الذي تركه الرسام السابق. حَضَرَتا حفلة غنائية راقصة حول النار، وتأملتها وهي تراقص اللهب الذي قبض على طرف فستانها–مشهد طبق الأصل طُبع على لوحتها الظاهرة أول الفيلم. هوسها اللاواعي بشبحها جعلها تحول أفكارها عنها إلى مادة لوحة. امرأة شابة مشتعلة، تسير على أرض جرداء، متأملةً القمر.
تتعمق علاقتهما أثناء جولاتهما على الشاطئ، أو في جوف كهف متخفٍ، أو بمجرد وقوفهما على التل وهما يتأملان بعضهما. تعترف هيلويز أنها أرادت تقبيل ماريان منذ البداية، وهي رغبة لم تدركها الأخيرة إلا بعد أكثر من تخمين. ظننتُ أن قبولها للرهبانية سببه عدم انجذابها إلى الذكور خاصة، حيث ستجد في الراهبات ملاذًا لها، كأنه تجسيد آخر لفيلم Benedetta، كما يمنح ميولها معقولية أكثر. ومع ذلك، شخصُها محبٌّ للفن والأدب، وتزور الكنيسة لأنها تحب سماع الموسيقى في القدّاس، وتقرأ كتب مكتبة الدّير، محاوِلةً الهروب والسفر -قدر الإمكان- بعيدًا عن جزيرتها.
تحاول صوفيا إجهاض جنينها، وتجرب كل وسيلة ممكنة قبل زيارة المختصة. ترافقها الفتاتان، وتستذكر ماريان مجريات إجهاضها، ولا تقدر أن تطيل النظر. تدفعها هيلويز إلى مراقبة ما يحدث بحرص. تريدها أن ترسم المشهد. خادمةٌ معذبةٌ، تجهضُ جنينها وهي تمسك اليد الصغيرة لرضيع آخر. يواسي دموعها التي ذرفتها وهي تناقض نفسها في رغبتها في إبقائه، وعدم قدرتها على منحها الحياة لجنينها. تبكي ألم الفقد وشجن التملص من لُحمة منها.
بحثت سيلين عن وسيلة تجمع الفتيات الثلاث بعيدًا عن لعب الورق، واختارت قصة أورفيوس ويوريديس كموضوع لتُبدي فيه كل منهن رأيها عن الحب. يبحث أورفيوس عن زوجته في جحيم هاديس ويتحدّى الصعاب لإعادتها إلى عالم الأحياء، ويتم تحليل عقلانية "الفعل الساذج" للمحب تجاه حبيبته عبرهن. حين التفتَ إليها بالرغم من شرط حاكم العالم السفلي في عدم تجاوزه النظر إليها إلى أن يصلا عالم الأحياء. تختلف التصورات حين يُقرأ النص والكل يستمع - ما أفتقده في قراءتي الفردية - فتفكر صوفيا أنه أخطأ في الالتفات، إذْ كان عليه التحمل لأن الوعد يكفل أن يتمتع بها طيلة حياته. "اختار ذكراها، لهذا استدار..لم يختر خيار العاشق، بل خيار الشاعر". تضيف ماريان. ثم تضفي هيلويز تصورًا أكثر شاعرية: ربما كانت هي التي قالت «استدرْ إليّ».
تزداد العلاقة بين الشابّتين حميمية بعد سفر الأم - وهو حدث مفصليّ - فتمكثان بعريّهما حتى طلوع الشمس، ثم يستمر العمل على اللوحة. تجمعهما إيروتيكية أولى تكمن في وضع الإصبع في الإبط، وشمّ خليط من نبات يضاعف حدّة النشوة. تحتفي سيلين بهذا "الفيتيش" العفوي، لِوعيها بصعوبة نقل المشاهد الجنسية دون ألحان، فنحن لانسمع سوى الموسيقى التي تسمعها الشخصيات. في إحدى توقفاتهما المنتشية، ترسم ماريان بورتريه مصغرًا لعشيقتها على قلادتها حتى تحتفظ بصورتها كل يوم، وتطلب الأخيرة منها أن ترسم نَفْسَها لها. تفتح صفحة من كتاب أوفيد على رقم عشوائي تختاره -28- وتضع هيلويز مرآة بين فخذيها تعكس وجه ماريان. تحدّقان في بعضهما في لوعة ريثما تتوالى التفاصيل، مبتسمتان، في محاولةٍ لتخليد عشق أنثوي خالٍ من التوقعات. هَجَرَتا كينونتيهما وكل ما يمثلهما من عادات وأحكام تخص الطبقات، كل ما يربطهما بالواقع، وعلى الأرجح قد تمكنتا من الانفلات من التوجه الأبوي للعالم. بعيدًا عن الزورق والدّير، تحيكان الموسيقى في ذهنهما، وتتراقص الترانيم وأنغام فيفالدي عبر ناي أورفيوس. إحالةٌ لابد منها، لأن الفراق يجمعهما أكثر من اللقاء.
عودة الأم تعني الرحيل، وفي الوداعِ انشطارٌ لقلبين تواعدا على الحب، وفكرة المقاومة تُطرح. تسألها -هيلويز- أن تطلب منها نقض مصيرها، لكن ماريان لا تستطيع، بالرغم من مخالفتها لهذا الزواج. ملامح الواقعية بينهما تتضح جليّة في معرفتهما أن ارتباطهما لن يُكتب له القبول، وفي عصر محافظ، قد يتم نفيهما. لكن القلب لا يحتمل البعد، وتركض ماريان باحثةً عن توأمتها، وتلمحها من بعيد، وترتمي لتحضنها من الخلف وهي تصيح باسمها. ترجوها أن تغفر لها، وتهمس أن والدتها عائدة، لكن الأمواج المتلاطمة تمنع كلماتها من أن تصل مسامعها، ثم تخفّ، فتسمعها، لتذرف الدمع. تتعانقان، تلتقي صفحاتهما، تتشابك ضفائرهما وشفاههما، وتتبخر دموعهما سويًا، ثم تعودان إلى الورشة من أجل اللمسات الأخيرة.
تمر السنوات، ونجد ماريان في معرضٍ للرسم. منتحلة صفة أبيها لتعرض لوحتها التي تجمع ميثولوجيا الحبيبين. لازالت تعاني من كونها إحدى الإناث القلائل في عالم يحكمه الذكور، وهو ما ذكرني بأناييس نن وكتاباتها الإيروتكية -الأولى من نوعها- في العالم نفسه. بعد أكثر من قرنين، المَيْزُ ذاته باقٍ. يبتسم زائر ليخبرها أنه يرى في لوحتها أنهما يقولان وداعًا، كأنهما مُنحا الوقت ليودّعا بعضهما البعض. فيشرد بالها قليلا، كأنها تذكرت اللحظة التي أفصحت فيها هيلويز عن تصورها العذب "اِلتفت نحوي"، محتفظة بالدهشة نفسها على وجهها.
تبحث في دليل المعرض عن لوحات تثيرها، وتهرع لرؤية لوحة تجذبها، فتتجمد أمامها. لم تتغير كثيرًا عن ذي قبل، مبتسمةً رفقة ابنتها، وهي تحمل كتابهما المقدس للشاعر الروماني، بطريقة تُمكِّن من إظهار رقم الصفحة، الرقم نفسه -28- الذي اختارته من أجل البورتريه.
تلتقيان عبر لوحة ولا تفترقان إلا بها، لكن الموسيقى تجمعها حتى لو لم يتبادلا النظرات في ما بينهما، وموسيقى فيفالدي -من رباعية الفصول- ك"عاصفة قادمة تشعر بها الحشرات، تبدأ بالهيجان، ثم تصل مع البرق والرياح"، كلها تفاصيل توقظ فيهما الرغبة في البكاء والوَجل. الشعور نفسه الذي صاحبني في اليوم الموالي وأنا أستمع لقائمة تشغيل بصفة عشوائية، فتشتغل الأغنية نفسها. آمنت أنني لازلت هناك، معهما، في تلك القاعة، بملامحنا الرقيقة، نقشعر لرومانسية المقطوعة.