Possession (1981) : ما بين انتشاء الخيال وإذعانه للحقيقة

بالنسبة لي، السينما الحقيقية لا تتمثل في كونها وسيلة لإمضاء الوقت، بل هي فن قائم بذاته ولغة للتعبير. الصور والكلمات أدوات استعملها الإنسان منذ أن غاب في كهفه ولازال، والمرجو منها أن تخلَّد وتحيا في الذهن المتشعب، رفقة بقية الأعمال الفنية. أن تختصر حياة أشخاص لامسوا الحقيقة وروحك أمر صعب، يختص به عباقرة المجال، وأندريه زولاوسكي منهم -حتمًا-. ولا أبالغ إن قلت أن فيلمه "Possession" ظلّ معي -في ذهني- مدة شهر كامل دون أنساه، وفضل ذلك يرجع إلى نيّتي في كتابة مراجعة عنه، والمقابلات المثرية عن المخرج والفيلم معًا.


وكنظرة شاملة على Possession، فهو منقسم زمنيًا لجزأين:
- الأول قبل مجيء الزوج.
- الثاني ما حدث بعد مجيئه.
1.
خيانة آنا مع هايرينك، حين التقط لها مقطعًا وهي تدرب فتيات صغيرات على رقص الباليه، وأنها "لم تجد شخص يحملها كما تحمل هؤلاء الفتيات". وفي مونولوغ آخر، تصفُ فتاتين تصورهما على أنهما الخير والش، أو الحظ والقدر، وكيف أن الأول يلعب بالأخير. وتصل لفكرة أخيرة "لم أكن أريده أن يأتي -زوجها- لأنه إذا جاء سيتحطم كل شيء" وكأنها تتنبأ بخرابها في عودته.
2.
قدوم مارك، وفي نيّتها توبيخه بسبب عودته المفاجئة من الحرب. لا نعرف الكثير عن عمله، أو عن كونه جاسوسًا؟ لربما كان يتجسس على صاحب الجوارب الزهرية، والذي يظهر في آخر ربع ساعة من الفيلم وهو يلاحقه. "مارك" وجد نفسه بعيدًا عن عائلته ورَغِبَ أن يعوضهم عمّا فات وقد أحضر حقيبة مليئة بالمال وكأنه سيكون حلًا كل شيء—بالرغم من كونه كذلك لآنا.

عدتُ لمراجعة الفيلم في الغد. وفي الدقيقة الأربعين يسألها "أين كنتِ؟" -بعد اختفائها وعدوتها المفاجئة- ويضيف "هل كنتِ معه؟" وتنفي ذلك. يسألها إذا كانت عند "مارغي" وتنفي. فيغضب ويسأل "أين؟" وتقول "عند أصدقاء". لكنه لا يرضخ لهذا العذر ويعلو صوته أنه سيتأكد. طفح الكيل لديها وتكرر كلمة "check..check..check" وبشعور مختلط بالغضب والحزن تصرخ "أنت دائمًا على حق!". في لحظة مواساة، تنسحب خطوة وتوضح مدى قرفها منه "لا تلمسني!" وتهرب.
هنا بالتحديد فكرت أنها لم تكن تعني أي شخص قد تعرفه، بل تحيل إلى الوحش المتواجد في شقّتها. ففي مشهد آخر، حين تعتذر عن لامبالتها بطفلهما "بوب"، ويزرع مارك أفكار الهجر في عقلها، تقول "لا يمكنني"، ويقترح حل "إخباره عبر الهاتف". تهز رأسها لاستحالة الفعل "لا يمكنني إخباره على الهاتف، يجب أن أخبره وجهًا لوجه"، لكن الزوج لا يصدق كلامها، وذلك مفهوم، لأنه يظنها تتحدث عن هاينريك. منذ وقتها تقصدُ الوحش، فذلك المخلوق لا يستعمل نفس كماليات البشر. هاينريك من النوع المتفهم، وقد أخبر مارك بذلك، فلو صارَحتْه أنه لا رغبة لها في لقائه من يومها لما زارَه. آنا كذلك لم تكن من النوع الذي يهاب المصراحة، كانت عندها قدرة ارتجالية في السماح لكل مشاعرها بالطفو على السطح، لكن نلاحظ أن هناك ما يمنع عنها تلك العفوية المنطلقة، ولا وجود لبشري قادر على ذلك. من هنا جال في خاطري أن هذا الفيلم ليس لمشاهدة وحيدة، بل لمشاهدات عدّة، لأن هناك حوارات لا يمكن أن تُفهم أو يُبنى عليها إلا لو كانت لديك معرفة مسبقة بما سيحصل، ومنه فكرة "تأويل كلماتها".




– ثيمة الزوج المعذب:
مارك يسألها "لماذا دائمًا تعود للبيت"، وتبرر ذلك بِ بوب، ولولاه لكان الرحيل قطعيًا. في ما بعد، ستعترف أنه ليس بوب، لأنها ستجد بديلًا له آنذاك، وخمنتُ أن علّة عودتها المتكررة تدور حول الزوج، ففي النهاية، أنجبتْ نسخة منه، إذا لم نقل أنها متفوقة عليه.



– مربط التشابه بين الفيلم و أنمي Evangelion :
لا أمتلكُ فكرة واضحة عن التشابه، لكن هناك مزيج مذهل بينهما في العلاقات بين الشخصيات. وعلى الرغم من معرفتي أن الفارق الزمني لا يشفع لهذه المقارنة، لكن الفكرة تسرّني. فالصِلة بين الزوجين تشبه إلى حد ما علاقة "شينجي" و"أسوكا"—الكثير من المشاحنات التي تنتهي بالعديد من الاعترافات غير المُعلنة. هناك كبت جنسي ملحوظ، واحد بسبب البرود، وآخر متعذرٌ عنه لأن إمكانية وقوعه لم تحن بعد. الدلالات الدينية في تحقيق الخلاص بين العملين وخاصة في النهاية، هي ما شدّني إلى شغف ذكر الأنمي، ويقبع مشهد وحيد في خَلَدِي بعد النهاية المأساوية حين يتمدد كل من البطلين -الوحيدان على سطح الأرض- وتجاهرُ أسوكا بشعورها نحوه "يا للقرف".

– هناك رمزية مبتدعة تخصّ الجسد لم أفهم مقصدها لكنها تتكرر، لاحظتها أول مرة حينما أراد الأب تغيير قميص ابنه، وحين عرّاه جعل يديه تمسّدان على ما بين إبطيه وحوضه، وفي حركة صعود ونزول غَرِقَت تعابيره في هذا الفعل. خمنتُ أنه فعل خالٍ من الجنسانية، لربما يتحسس الحياة في ابنه وفي مخلوق ضئيل مثله، وكم أنه سهل سلب هذه الروح من قفصها. لكن تأثير الفعل تعاظمَ حينما طبّقه على آنا في لحظات ضعفها وسكونها إليه؛ لما نزعَ عنها ثوبها ونظف جسدها، ثم أمسك جذعها في حركة مشابهة واستمر الحال حتى عانقَتهُ، وجعلها تأوي إلى فراشها أخيرًا.
في آخر نصف ساعة من الفيلم، يحصل تفاهم كلي بين الزوجين، ويتعريان لمسح الدم عنهما. تبادر آنا لمداعبته، ثم تقبيله، وتاليًا تمارس نفس حركته عليه، ويسرتخي بين يديها، وكأنما في نيته أن يلمسه شخص ما كما كان يفعل. تنحني آنا على ركبتيها وتستمر، تناجيه لينحني معها بتعابيرَ رقيقة، ويمارسان الحب.




– جريمة قتل هاينريك كانت تجاوزًا لأخلاقيات مارك، لكن هل كان هذا الفعل -بحكم خبرته في الحرب- تعدّيًا؟ خطط بدهاء ومكر وكأنه مدرب على القتل، وسحق جمجمته بدم بارد، ولا يمكن أن تكون آنا قد أعمت بصيرته -وحدها- إلى هذا الحد. أم أنه انتقام شخصي له من تلك الضربة التي وجهها له أثناء مشاجرتهما، والصفعة النفسية في كونه شريكًا في الخيانة؟
حينما اعترف -مارك- أنه "لم يعد يخاف منه"، كان محقًا، لأنه بدا وكأنه يتقدمّه خطوات قبل كل لقاء. شخصيته كمغتال، وصلت إلى حد محاولة الفتكِ بأم الضحية، ولولا انتحارها لارتكب جريمة أخرى.

– في مشهد نوم المرأة عجوز على السرير، وغيبوبتها على مهل، وإمساكها بصورة عائلة ابنها. فُتحت النافذة تلقائيًا؛ لربما بفعلِ خروج روحها، أو أنها كذلك بسبب تدافع الريح، لكن مارك اكتفى بتفسير وحيد في ظل شروده. تذكرتُ قصته مع الكلب العجوز الذي أتى لشرفة منزله، حين سمع صراخه وهو في احتضاره الأخير. وقتها اكتشف سر الموت -وهو طفل- ولازَمه ذلك طيلة حياته، ولهذا يعتبر الموت ثيمة ذات أهمية لديه. كان ينتظر الصرخة نفسها منها، لكنها لم تمنحه ما أراد، وهكذا اكتشف أسلوبًا جديدًا للفراق.
في حوار ثانٍ لمارك وهاينريك -بعد تصريح غياب الخوف- يردُّ الأخير "يجب أن تخاف من الإله فقط، إذا ما كان يعني لك شيئًا"، وبعينين بارزتين يجيبه "بالنسبة لي، الإله هو المرض"، وينسحب هاينريك في المصعد وينهي الحوار "بفضل المرض، تصل إلى الإله".
أعتقد أن فكرة المرض نفسها متجذرة منذ تصوره حول الكلب الذي نَفَق، من ناحية اعتباره للكِبر كَعِلَّة بحد ذاتها، ولهذا فالإله -مسبب المرض- هو ما يقود إلى الموت. لربما ما يبرر أفعال الزوج هو هذا التصور أو ما يُجاوره، أي أنه خادم للرب الذي يوقظ المرض في أجساد البشر، ولهذا لم يستعصِ عليه تصديق ما شاءت آنا أن تصف به نفسها "أنا أحمل الإله في بطني".

– معلمة بوب "هيلين" وعلاقتها بالزوج:
في حوار مع مارك، يخبرها أنه يعاني مع النساء، فتجيبه أن كل ما تشتركن فيه هو الحيض. يحكي الأخير عن الشر، وتصف له تصورًا عن أصلها "في العالم الذي أتيتُ منه، يسهل التعرف على الشر لأنه يظهر على الجلد". وقد أدركتُ -في مقابلة- أن هذه الكلمات كانت على لسان أندريه زولاوسكي تحديدًا لأنه يرمز للشر القادم من شرق أوروبا، وهيلين تبحث عن مخرج عبر مجيئها إلى الغرب. يُغرم مارك بها، ربما بطريقة أفلاطونية، فينام معها عاريًا على نفس فراش زوجته، وحينما يبدو متوترًا، تُطمئنه بأنه ليس في حاجة لممارسة الجنس معها. هذه الفكرة لوحدها جعلتْه يسعدُ بها لأنها خالية من التوقعات، فابتسم كطفل صغير. وجد في النسخة الأخرى من زوجته ملاذًا له من كل شر، ولربما حلمًا لا يرغبُ أن يستيقظ منه، حلمٌ أيقظ نفسه منه -بالإكراه- بسبب صراخ بوب وبحجة عودة آنا إلى البيت كل مرة. (حين مشاهدتي للفيلم، حدستُ أن هذه النسخة هي الملاك الذي لو التقاه مارك مبكرًا، لربما زالت معاناته.)

– نهاية الفيلم:
أثناء احتضار الزوجين، يتقدم توأم مارك -الذي أنجبته آنا- إلى صاحبة شقة علوية، ويسألها عن مهرب وتشير إلى فتحة في السقف. بدت الأخيرة كما لو أنها تحت تأثير هالة ما، نوع من الضغط الذي يذعن من يكون في حضرة صاحب مقام عالٍ. الأمر نفسه يحدث حين يكتسب أحدهم قوة ما، فيؤثر في عقول الناس، أو بتعبير آخر، كانت المرأة في حضرة كيان تجسيد للإله. انتهيتُ إلى أن آنا لم تكذب على زوجها وصدقت نبوؤتها في إنجاب رفيع المقام، بالرغم من تضحيتها بكل ثمين. إدراكُها أن رحلتها لم يستحق كل هذه التضحيات -ترك زوجها وابنها- جعلها تنام في حضنه، بل أجهزَت على حياتيهما معًا بعد قبلة على الفم، وتلامس للأعين.
مارك لم يتحمل فكرة الموت دون أن إنهاء حياته بيده، ولو أنه أعزّ الرحيل في كنفها، لكنه اختار القفز. أبدًا لم يكن الفناء كالكلب العجوز ليرضيه، فلَقِيَ مصرعه بنفسه.
كان هذا تفسيري الأولي، ثم فكرتُ -حينما لمحتُ صاحب الجوارب الوردية- أنه خاف أن يعيدوه للحياة ويبعثوه لدوره في الحرب من جديد، فاختار إهلاك نفسه حتى لا يبقى عبدًا لهم.

– أيقونية مشهد إيزابيل أدجاني والمترو:
هذا المشهد أخذ مني من الوقت الكثير حتى أستوعبه، فأول مشاهدة كانت عبارة عن ضحكات مكتومة تتساءل عن المعنى من هذا الجنون. وثاني واحدة استوعبت فيها أن هناك دلالات عن الطمث، لكن نزول الدم بدا كإجهاض أكثر من كونه حملًا، وهنا تعارض خيالي مع الواقع. فكرة الإجهاض تظل سليمة -على حد تعبير المخرج نفسه، فهي تتخلص من دَنَس العالم- لأن هذا يبدو كنزيف داخلي لشخص يعاني من الكيان الذي أراد خلقَه من بَدَنِه. روحها تعاني من نقاء "الإله" الذي تريد خلقه، والمِثالية في الإبداع تتعارض من فناء الجسد وخطاياه؛ فقبل انهيارها، كانت تتضرع للمسيح نفسه/تمثاله، تطلق أنينَ من تريد أن تَلِد. المقصد هنا أنها تطلب العون لأنها تتجرع مرارة ما سيحدث، وبالفعل تبدو كنوبة صرع، فآنا هنا تنقض جانبها السيء -على حد تصوري، جعلتُها الأخت الشريرة- لكنها تستغله في صنع شبيه بزوجها لم يجدر بها أن تساهم في إيجاده. ضريبة الفعل غالية، وحركاتها تلك كأنها تقليد أعمى لشيطان متحول قد تلبّسها، إذْ قامت بإيماءة قرون كمرجع له. في نهاية المشهد، تنزف آنا سائلين، واحد أبيض وآخر أحمر، ويصير الكل أخضر بعد اختلاطه بِسواد الأرضية. كرمزية للعذراء، لكن بصورة مادية أكثر، فنجدها تتلقى المني، والذي يحرّك في جسدها آليات الحَمْل، وتتفاعل أوصالها مع الجسم الدخيل، والذي يشرع في إعادة تكوين المضيف. آنا تصرخ لأنها تتوجع، وتعاني من مسؤولية لم تثق بجدارتها فيها، ولهذا كانت تطلب النجدة من الشخص الوحيد الذي خلّف رواية بوقائع مقاربة.





– An Interview with Andrzej Zulawski:

عاد زولاوسكي -بعد فيلم "That most important thing: love"- ما بين سنتي (1976—1977) إلى بولندا لتصوير فيلم خيال علمي عن رواد فضاء هدفهم خلق مستعمرة على الجانب الخفي من القمر، وهو نفسه الفيلم اللاحق تحت عنوان "On The Silver Globe".
حكى أندريه عن الوضع السياسي وقتها، من جنون الرقابة السوفيتية إلى ضآلة الميزانية. أثنى على حظه، لأنه لم يشهد هذه الرقابة -شخصيًا- في بلده، ورغم ذلك، فقد كان لديهم وزير للسينما. ابتسم مُعلنًا أنه أمر غير معتاد، لكنه استشهد بمقولة لِ"لينين": "السينما هي الفن الأهم". وفي مرحلة ما، تم تعيين وزير جديد، لكنه كان ذكيًا، ومهتمًا بقراءة/مشاهدة كل ما يُنتج، على العكس ممّن سبقوه. وقعت عينه على مادة فيلم أندريه، واحتجّ على مضمونه بكونه مناهضًا للماركسية والاشتراكية.. ولم يستطع أن يضيف "نقيض السوفياتية" لأن تصنيفه "خيال علمي".
أمرَ الأخير بحرق كل موارد الفيلم من مواقع التصوير إلى الأزياء التي تمّ وضعها في حفرة وأُشعلت النار فيها. أما بالنسبة للإعلام، فقد ذكر أن سبب إلغائه ضخامة الميزانية. بيد أن الأمر ليس كذلك، لأن كل شيء تم صنعه يدويًا -ولما شاهده سكورسيزي تعجب من تصريحه، إذ تساءل كم يمكن لهذا الفيلم أن يحتاج من مليار؟ كان من الواضح أنه رخيص التكلفة- وهكذا ضاع ما يقارب عام ونصف من العمل.
هذا التوقيف نتجَ عنه حظر أندريه بصفته مخرجًا، مما جعله عاطلًا. لدرجة منعه من أي وظيفة متاحة، ثم خيانة زوجته له -وطفله- مع شخص آخر. هذا البؤس جعله يتجول في شوارع وارسو، فطرأت عليه فكرة عن امرأة تعيش بأحد الشوارع الفقيرة الرمادية، متخفية في شقة بسيطة، تشرع في حَبْكِ شيء ما، وتبحث عن ذاتها أو"إنقاذ روحها" على حدّ التعبير الشرقي الأوربي في ذلك العصر.
وصلته رسالة -مزيفة- من صديق فرنسي في نيويورك يعمل في شركة Paramount، يعرض عليه العمل في الغرب، ومعها جواز سفر. لم ينجُ أندريه من الرقابة وذكَّروه أن يكون متعقلًا لأنه لن يلتقي بعائلته مدة طويلة إن تصرف بطيش. تردِّي وضعية البلد اقتصاديا جعلهم يسمحون له بالسفر، فبولندا كانت في حاجة ماسّة للعملة الصعبة. استقر بأمريكا لشهرين، كتب فيها سيناريو الفيلم، وشارك في إنتاج الفيلم تعاون شركة فرنسية مع ألمانيا الغربية.
موقع الفيلم كان لابد أن يكون مشابهًا لما عاينه في وارسو، واختار برلين الغربية، على جانب جدارها كمَعْلَمَة، بنفس الكآبة الرمادية؛ هذا الجدار يُعتبر رسالته السياسية الأهم في الفيلم، ومنه بدأت مقدمته، رفقة شواهد القبور التي وُضعت عليها صُلبان تبكي الضحايا. من حسن الحظ أن البناية التي استأجروها كانت على مقربة خمسة أمتار من الجدار، وهذا أضفى طابعًا أراد إيصاله -فعلى حد تعبير أندريه- رمزية هذا الحائط تكمن في كونه الحاجز بين الخير والشر، وفي أولئك الجنود الذين يراقبون كل حركة تنبض منهم.
لما بدأ تصوير الفيلم، زار الطاقم هذا الجانب السوداوي من العالم—وذاكرة حيّة عن أطفال ينتظرون دورهم من أجل ملعقة واحدة من المثلجات، تجعل فكرة العودة أشبه بالنعيم.
ما سلب اهتمام زولاوسكي كان البحث عن ممثلين، والمذهل أنه اختار إيزابيل أدجاني منذ البداية؛ عرف أن الدور لها، والمشكلة كانت في كيفية إقناعها لقبوله بعد أن أرسلت رسالة ترفض فيها عرضه مستنكرة "أنا؟". التقى أندريه بمدير التصوير "برونو"، وطرح عليه مشكلته، فطلب منه أن يمهله أربعًا وعشرين ساعة. كان الأخير مرتبطًا بها، فحثَّها على الموافقة، كما أن وضعية الزوجين الاقتصادية لم تكن تمنح بدائل أخرى.
تبقى الممثل الرئيسي، والذي يدعى "سام نيل"، وكان إقناعه أسهل، لأنه سبق وأن شرب معه قنينتين من الجعة الأسترالية. (كان أندريه سعيدًا بكون دور سام في فيلمه قد سهَّل حصوله على أدوار أخرى مع مخرجين مرموقين كَ سبيلبيرغ و Chabrol..).

موضوع آخر ذكره زولاوسكي جعلني أبتسم في الحال، كان عن انتمائه لمدرسة "السينما الفقيرة/المقتصدة"، فتذكرت إريك رومير. هذا الأخير استمر على نفس المبدأ المقتصد في جميع أفلامه، وفي مقابلة له أيضًا وصفَ فلسفة الأخيرة؛ الفكرة تكون بتصوير مشهد واحد دون إعادته، ولهذا يلزم أن يستهظر الممثلون أداءهم بدقة بحيث لا مجال للخطأ، لأن رفاهية إعادة المشهد معدومة. نفس المبدأ، يقوم عليه منهج أندريه في الإخراج، ولهذا كنت سعيدًا بهذا التقارب، خاصة أن البولندي يتكلم الفرنسية بطلاقة، فبدا الأمر كأنني أشاهد امتدادًا لتلك المقابلة. بالرغم من ذلك، زولاوسكي لم يعتبر هذا الانتماء حسنَةً أكثر من كونه إحدى نواقصه، ويعللّ موقفه بكونه محظوظًا بحصوله على شريط أفلام ملون منذ صعوده في بداياته كمخرج، لكنه تعلم -رغم أنفه- أن يلجأ لهذا النوع من الاقتصاد، إذ قد يحول دون إكتمال الفيلم.
بالنسبة للممثل الثالث "هاينز بدور هاينريك"، فأصله ممثل مسرحي. وهنا أضاف المخرج فكرة أخرى عن مدرسته، حين ذكر أن وظيفته -الصعبة- تكمن في جمع كل هؤلاء الممثلين من شتى المدارس (فرنسية، ألمانية..) فوق خشبة واحدة، وجعلهم يتوافقون من ناحية المزاج والأداء حتى لا تكون هناك إعادة.

سبب ضائقة إيزابيل المادية كانت بسبب سمعتها السيئة، فقد اشتهرت بكونها صعبة الإرضاء وذات مزاج معقد، وهذا ما يتهرب منه المخرجون، فَقلَّت الأعمال المعروضة عليها. لكن لِ زولاوسكي صورة مثالية عنها، فهو يتذكر أداءها في مسرحية فرنسية من كاتب فرنسي لمع فيها نجمها وهي ممثلة صاعدة لم تتجاوز العشرين. مع الأخذ بالاعتبار اختلاط عرقها ما بين العربي والألماني، والذي أكسبها هالة متميزة تتفرد بها وحدها. كل هذا التمايز كان من واجب أندريه أن يواريه عبر مسؤوليتِها كممثلة يقع على عاتقها حمل الفيلم، وقد أدّت الواجب ولم يجد منها أي ملامح تُذْكرُ لهذا التمرد المُشاع عنها، بل أثنى على احترافيتها، إذْ كانت تحضر قبل خمس دقائق من كل فريق العمل بالرغم من ضيق المواصلات.




ظننت أنني سأجد في هذه المقابلة بضعة تفسيرات لمَشاهد الفيلم، لكن أندريه كان حذرًا في عدم التطرق لها، بل اهتم بمدح فريق العمل وسرد بعض المواقف الطريفة؛ كعدم تمكن برونو "مدير التصوير" من إضفاء لمسة على أعين شبيه مارك في المشهد الأخير، ولهذا ألصقوا له عدسات خضراء لتصير شبيهة بأعين هيلين. أو الفنان الإيطالي الذي ساعدهم في صنع الوحش، والذي لم يكن لديه الوقت الكافي لإكماله، بحجة فكرة خاطئة سمعها عن كون شكله "قضيبيًا". ضحك أندريه موضحًا أنه أراد شيئًا مشابهًا وليس عضوًا بالذات، لأنه سيكون من الأسهل أن ينزع سرواله عنه.
هذا الوحش هو ما جعل الناس يعتقدون بكون تصنيف فيلمه يندرج ضمن "الرعب" لكنه نفى ذلك، بل انتقد بعض المقرصنين في أمريكا الذين قصّوا جزءًا من فيلمه وألصقوه بأجزاء أخرى ونشروه على هذا الأساس، وهو ما أضرّ بسُمعته. أحبطه كذلك ضعف الإقبال الفرنسي على الفيلم -ربما لنفس التصورات- إذ حضر عدد قليل فحسب، وفكّرَ أن ضعف التسويق هو السبب. لكنه يظل سعيدًا باستعادة الفيلم لمكانته لديهم بعد 28 سنة، ويصف ذلك بكونه "يجعله على قيد الحياة، فالمعرفة تجعل التقدم في العمر أيسر".

من جهة آخر، ولو قلت أنه لم يتطرق للمشاهد، فقد وصف أعظم مشهد في نظري، واتضح أن هذا ما يؤمن به أيضًا. مشهد المترو، حين تصعد إيزابيل الدرَج وتبدأ في ما لخَّصَه "مضاجعة الهواء، والعالم، وقد فعلَت"، يضيف: "أنا سعيد بتواجدي هناك كشاهد على الحدث أكثر من كوني مخرجًا، لقد استغرقتُ الفيلم بأكمله لأداء هذا المشهد، وقد تم التقاطه في النهاية. إنه لمن العظيم أن تشهد على أداء نادر تقدمه ممثلة وهي تلعب دورًا هيستيريًا ومتعبًا جسديًا."
حصلت مشكلة أثناء تصويره، وهو المشهد الوحيد الذي تم التقاطه مرتين، بسبب شك المصور في دخول قدَمٍ لإطار الكاميرا. اتضح أنه قد أخطأ، ورغم ذلك فالمشهد المكرر لم يكن بمثل عفوية وقوة الأول. ذَكَر أن اللقطة التي تفرغ فيها آنا السوائل من جسدها، ترمز إلى تخلصها من كل دَنَسٍ يلوث جسدها استعدادًا للمرحلة القادمة، وهنا أعطى تشبيهًا بأنها تلك الأفكار الماركسية التي تحولت إلى واقع فهدمت حياة البشر.
حصلت إيزابيل على جائزة أفضل ممثلة عن دورها في مهرجان "كان"، لكن الفيلم لم يجد نصيبه من الجوائز، إذ أن جائزة Palme d'or استلمها فيلم بولندي آخر. يقول أندريه -بعد سنوات- أنه لم يحزنه الأمر، لأن فيلم Man Of Iron استحقها؛ فرسالته السياسية كانت واضحة المعالم، ونشرها كان سيمنح قيمة أكبر للتداعيات على النظام السوفيتي وقتها. لكنه عرف أن هكذا فيلم لن يعيش طويلا لأنه يخص حقبة معينة، في حين علْمِه التام أن Possession سيظل في أذهان الناس مدة أطول لأنه يسبق أفكار عصره، وهذا ما حصل بالفعل.
مساعد زولاوسكي في الكاميرا ذكر نفس الفكرة، من حيث أصالة أفكار كل أفلامه حتى المقتبسة منها. لم تبتدع أعماله من أجل المتعة بل قصدَ التفكر فيها، وهذا بعيدٌ تمامًا عن فكرة تشغيل التلفاز وطرح السؤال "ماذا سنشاهد اليوم" في سذاجة تامة.
يضيف أندريه أن السينما نفسها قائمة على الموجات، ولربما موجة ذلك الوقت كانت عن أفلام الرعب، لكن فيلمه لا يركب موجة واحدة لأنه قد ينتمي إلى ما هو درامي/نفسي..وهذا ما يميزه -وباقي أفلامه- بكونها ستحيا أمدًا أطول. عَكَسَ ذلك على فيلم The Apartment الذي كان يعاني من الرقابة الأمريكية، وهنا يؤكد أن هذا التجاوز هو ما يصنع الأفلام، والتداخل في المواضيع النفسية أو الجنسية أو حتى العقائدية هو ما يمنح قيمة لما يتم تصويره.


 

Notes:


– أندريه أزال Abe، الزوج الأول لآنا وهو يهودي هارب من أروبا الشرقية، فقد بدا له -بعد أسبوع من التصوير- أن إدخاله يجعل القصة أكثر تعقيدًا فحاول إلغاءه حضوره في منتصف العملية. ما تبقى منه هو زوجته الشابة التي ظهرت آخر الفيلم وصعد بمساعدتها مارك المزيف، وهنا تهكم طريف بخصوص ذلك، لأن أندريه متأكد أنه كان -زوجها الأول- ليحب ما يشبه "صعود سلم يعقوب" المذكور في the old testament.

– اسم آنا أتى من رواية تولستوي "آنا كارنينا" والذي يحكي قصة مشابهة لزوجة تخلت عن زوجها من أجل عشيق، ومن هنا وقع الاختيار عليها لتكون بنفس تسمية بطلة الفيلم.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قرن ونصف من اللوعة: الحب عند فلوبير وإرنو

ترنيمة مترهب: حين تقع الفاكهة في حضن الوجد.

فن التلصص أو Voyeurism : متى تتخطى الدهشة الخصوصية؟