وأنا أقرأ مختارات الشعر الشعبي لنساء منطقة البشتون في أفغانستان، خطر ببالي أن أنقل ما تلذّذت به من أشعار تغنيها هذه النسوة. قد يكون من المجحف أن أصف شاعرية كلماتهم باللذيذة، فهي تعكس تأملاتهن ومأساتهن. يعشن في مجتمع ذكوري يعامل المرأة مثل إنسان درجة ثانية أو عبد وظيفته إرضاء الشهوات وقضاء الحوائج. فتعيش البشتونية مرارة حياةٍ لا رأي لها فيها، ويتم تزويجها بالإجبار من "دميم بشع" طفل، ويبلغ ليعضّ اليد التي ربّته حتى بلغ أشده. وحين تلد أطفالها، يعنفونها، ويجامل البشع صنيعهم إثباتًا لفحولة مصطنعة. وتفقد الأخيرة غريزة الأمومة عندها، لكثرة عدد الأولاد، ولكرهها لمن أنجبته معهم. وتبكي المسكينة حبًّا لم يُكتب له أن يلتئم، وتسأله أن يشاركها فراشها حين يغيب البشع. تتمنى أن يستشهد زوجها في الحرب لتحتفظ بحبيبها، لكنها ماكرة، ولا تريد حبيبًا جبانًا يرتعد بين ذراعيها، فكيف بميدان القتال؟ ليس غرض هذه الأشعار عرض وَلَهِ عاشقة بحبيب لن تصله يداها فحسب، بل لنبذ سجن المنفى، ورثاء مجاهدي المقاومة.

هنا وضعت مختاراتي الشخصية، وتركت أشعار الرجال في النهاية، مع شكوكي بأن أحدها لا ينتمي لها. ومثل قراءة كتاب مستعمل، بملاحظات في الجوانب، أمنح الفرصة للقارئ أن يتطفل على فِكري:
يا رب! هبني مجدداً ليلاً قاتماً
ومجدداً أرتعش واقفة على أصابع قدمي، لأني مجبرة على
الصعود لفراش أكرهه.
أحبه! أحبه! لا أخفي ذلك، لن أنكره.
حتى لو قطعوا كل شاماتي بالسكين.
أردت رسم شامتي وتكحيل جفوني
إن رأيتني بعد الآن ستفقد عقلك إلى الأبد.
خذني بين يديك أولاً ثم ضمني
بعدها أدر وجهي وقبل شاماتي واحدة تلو الأخرى.
الليلة الماضية كنت بجانب حبيبي، يا للوصال الذي لن يعود!
مثل جلجلة حلي، كنت أطنطن بين ذراعيه حتى آخر الليل.
ضع شفتيك فوق شفتي
لكن دع لساني طليقاً لأكلمك عن الحب.
فمي لك، التهمه لا تخش شيئاً.
فهو ليس مصنوعاً من سكر يوشك أن يذوب.
تعال بقربي يا حبيبي
إذا كان خجلك يمنعك من لمسي، سأجرك بين ذراعي.
يريدني حبيبي أن أقبّله بين ورق التوت
وأنا أقفز من غصن لغصن لأهبه شفتي.
إذا كنت تبحث عن دفء ذراعي، ينبغي أن تخاطر بحياتك،
لكن إذا كنت تحرص على سلامتك، قبّل الغبار عوض الحب.
تعال قبّلني دون تفكير بالمجازفة، إذا قتلوك ليس هذا مهماً
يستشهد الرجال الحقيقيون دوماً في سبيل حب الجميلة.
أعطني يدك يا حبيبي واذهب إلى الحقول
لنحب بعضنا أو نسقط معاً تحت نصل السكين.
اذهب يا حبيبي، وانتقم لدم الشهداء
قبل أن تستحق اللجوء إلى نهدي.
أواه يا حبيبي! إن كنت ترتعش بين ذراعي هكذا،
ماذا ستفعل عندما تنطلق ألف شرارة من صليل السيوف؟
اليوم إبان المعركة، أعرض حبيبي عن العدو.
شعرت بالعار لعناقه ليلة أمس.
افتح ضریحي، یا حبيبي، وشاهد
الغبار الذي يغطي النشوة الحلوة لعيني.
خفية أكتوي، خفية أبكي
أنا امرأة الباشتون التي لا تقدر الإفصاح عن حبها.
اختبأت خلف الباب
وخلسة طالعتني، أدلك نهدي العاريين.
طواعية سأهبك شفتي
لكن لم علي أن أهز جرتي؟ فأنا مبتلة تماماً.
أيها الربيع! شجر الرمان مزهر
من حديقتي، سأحتفظ لحبيبي البعيد، برمان صدري.
الليل، الشرفة مظلمة ، والمضاجع عديدة
خشخشة أساوري ستهديك، يا حبيبي، إلى الطريق.
خذني أولاً بين ذراعيك، كن لي
بعدها فقط بإمكانك أن تلتف حول فخذي المخمليين.
ضمني برغبة تحت ضوء القمر الوضاء
في تقاليدنا، نهب شفاهنا في النور الساطع.
تعال كن زهرة على صدري
لأنعشك كل صباح بضحكة مدوية.
فعلت بي كل ما أردت
ضع الآن غطاءً على وجهي: فأنا أريد أن أنام.
بسرعة تعال يا حبيبي، لأهبك شفتي
حلمت أنك ميت الليلة الماضية، فأصبت بالجنون.
في لحظة ستصبح حفنة من رماد
إذا رمقتك بنظرة ثملة.
ثملت لأني ابتسمت لك
إذا وهبتك شفتي، ستصاب بالجنون.
أبعد خصلة الشعر السوداء عن جبيني، قبل شامة حسني
فهى فاكهة الجنة، جالبة الحظ طيلة الحياة .
الليلة الماضية رأيت في المنام حلماً تحقق
حبيبي الوجل ضمني بين ذراعيه في وضح النهار.
تنازلت لك فقط عن حظوة شفتي
فلا تبحث دون جدوی عن عقدة حزامي.
مر بيدك في تجاويف أردافي برفق
رمان قندهار أزهر، ونضج قبل حين.
يا حبيبي، يا شمسي، قم في الأفق، اطمس ليالي منفاي.
غياهب ظلمات الوحدة تغطى كل أجزاء جسمي.
أتمنى أن يدعى إلى بيتنا،
لأذيقه طرف شفتاي الندية.
إذا لم تعرف كيف تحب،
لماذا أيقظت قلبي النائم؟
تعال، يا حبيبي، أسرع، أشبعه
فرس قلبي الأشقر أرهقه اللجام.
يفضل حبيبي العيون بلون السماء
وأنا لا أعرف أين أبدل عيني السوداوين.
في منتصف الليل ذكرياتك هي الزائر الوحيد
الذي يعذبني ويمنعني من النوم.
حبك، هو الماء، هو النار،
يصليني بلهبه ويغرقني بموجه.
إذا مات حبيبي، سأكون كفنه
هكذا يتزاوج الرماد معاً.
الليلة الماضية كانت في غاية الغرابة
بين ذراعي حبيبي كنت أرتجف كورقة.
أمسك بي یا حبيبي، ضمني!
البعد نهر يجرفني ويغرقني.
تعال مثل طوق حول كل رقبتي
سأارجحك علی قمم نهدي.
يا إلهي على الأقل احفظ هذا
وإلا سيقول الناس إن عشاقي يقضون لأنني منحوسة.
تعال يا حبيبي، لنذهب معاً للفراش
عزتي كامرأة أن أكون بين ذراعيك.
إذا قبّلت شفتي، عليك أن تهب قلبك،
من يغادرون فراشي يتعهدون بترك قلوبهم.
لا تحطمني بين ذراعيك
براعم صدري تتجف من وجع رقیق.
لا تشدني بقوة بين ذراعيك
عطر قلادتى سيفشى أسرارنا غداً.
حبيبي ينام بين الزهور
سأذر ندى فمي عليه.
بارك الله في الساعي الصغير
الذي يكرر كلمات حبيبي لي.
لتكن رحلتك فاشلة
يا من تركت شفاه الياقوت هذه نائمة.
مزقت صدف قلبي
لذا أصب اللؤلؤ من عيوني.
أشعار رجال البشتون:
ثمة أقاويل حول قدوم حبيبتي اليوم
اكتست الأرض المخمل والدروب براعم الزهور.
مرة أخرى حولت عينيك إلى براعم نصف متفتحة
ارفع أهداب جفنيك، دع الزهور تزهر علی وسعها.
وجهكِ وردة، عيناكِ شمعتان
حقاً أنا ضائع، أينبغي أن أصبح فراشة أم براقة؟
يا إلهي! أتى الربيع، أزهرت الزهور
إلا أن براعم قلبي ما زالت في الشتاء القاسي.
كنت أزرع الزهور في حضرة حبيبتي
نمت الزهور، غير أن حبيبتي سلبتها الأرض القاتمة.
ليست الحمى سبب سقمي
بل تأرجح خصلات شعرها المجعد.
طالما الموت يهيم في العالم بحثاً عن طرائد، لن تتحقق السعادة
لذا، يستحسن بقلوب الشباب أن لا تتعلق بخصلات الشعر
السوداء.
حين يفترق عاشقان
ستبكي الصخور وأعشاب البراري غداً.
المصدر:
كتاب اللانداي بتحرير سعيد بهو الدين مجروح وترجمة جميل صلاح
اللوحات من موقع Fine Art America.